Facebook Pixel
الفردوس المستعار والفردوس المستعاد
114 مشاهدة
0
0
Whatsapp
Facebook Share

كل الشعائر في الإسلام، لديها هذا البعد الاجتماعي الذي يكرس علاقة الفرد بالجماعة بهذا الشكل وبهذه الصيغة خصوصاً

عن الفردية ، وأضدادها...
من كتاب "الفردوس المستعار والفردوس المستعاد"...

عندما تصير الشعيرة ركناً..

كل الشعائر في الإسلام، لديها هذا البعد الاجتماعي الذي يكرس علاقة الفرد بالجماعة بهذا الشكل وبهذه الصيغة خصوصاً.
لكن هناك على الأخص شعيرة تبدو كأنها صممت خصيصاً من أجل تكريس هذه العلاقة التي تذوب من خلالها (الأنا) في الـ (نحن).
لن يكون مصادفةً أن تكون هذه الشعيرة، هي ركناً من أركان الإسلام. وبالذات ركنها الركين الثاني، الصلاة.
بل إني هنا، عندما أتحدث على كون هذا الركن هو الثاني (بالترتيب) مقصود أيضاً، ومصمم من أجل تكريس هذا النوع من علاقة الفرد بالجماعة.
الشهادة أولاً، وبعدها تأتي إقامة الصلاة.
أتأمل في الشهادة مجدداً، شهادة (أن لا إله إلا الله) وأتامل في ذلك الضمير المستتر الذي يتحكم في عائدية الفعل المستخدم (أشهد)..
إنه ضمير مستتر تقديره (أنا)..
و(أنا) هذه، هي التي تصرح بوجودك فرداً، (أنا)، أنا أشهد، أنا وليس غيري، ليس نحن نشهد، ليس هم قد شهدوا، ليس العشيرة ولا القبيلة ولا النظام الشمولي..
أنا، أنا أشهد..
أنا الذي قررت أن أدلي بشهادتي، وهذا يميز كياني كله، ويضع حدوداً لكياني، ويجعلني (فرداً)، وقد كنت من قبل ذلك نسياً منسياً..
كانت حدودك قبلها هباء منثوراً ضمن المجتمع الذي يشيِّئك ويجعلك ترساً آخر في عجلته التي لن تكترث لك من قريب أو بعيد..
هذه المرة أنت الذي يشهد... هذه المرة أصبحت فرداً، وهذا الفرد عنده شهادة.. وقد جاء ليدلي بشهادته.. وهذا الضمير المستتر، تقديره أنا، هو إنجاز بحد ذاته. لقد وجدت نفسك أخيراً، وصار لديك ما تدلي به..
.. وتلك الشهادة الملتحمة بالضمير المستتر، ستكون مفتاحاً أكيداً لدخولك الإسلام.
لكنك ستقف معها عند العقبة..
ولكي تدخل أكثر، عليك أن تخرج من الإطار الذي دخلته للتو..
عليك أن تقتحم العقبة!
الصلاة: الأنا في الـ (نحن) والـ (نحن) في الأنا..
وعندها يأتي الركن الثاني.. الصلاة..
وفيها يأتي ضمير مستتر آخر، بتقدير آخر، لن يلغي ذلك الضمير السابق.. ولكن سيحتويه.. ويضمه..
هذه المرة، هذا الضمير، الذي سيسير معك في كل جزء من صلاتك، سيكون بالتقدير (نحن).
لا يمكن أن يكون الأمر مصادفة. وحاشا لله عز وجل ألا يكون قد وضع معنى ومغزى في كل تفصيل من التفاصيل. فكيف بالأركان؟..
وهذا الضمير المستتر الذي تحول من (الأنا) في الركن الأول إلى الـ (نحن) في الركن الثاني.. له دلالات عميقة.. معان كبيرة..
الهجرة: من الأنا إلى الـ (نحن)..
..ويذكرني ذلك بالهجرة من مكة إلى المدينة، حيث تجمع الأفراد (الذين كانوا أنا) ليصيروا (نحن) في أول يوم من نزولهم المدينة؛ عبر مؤاخاة تقاسم فيها أولئك الأفرادُ المالَ، والبيتَ، بعد أن تقاسموا الفكرة والمبدأ.
وتطربني الآن فكرة أن ذلك كله تزامن مع إقامة أول مسجد في الإسلام، لإقامة الصلاة، كتجسيد شعائري وعملي (ورمزي أيضاً).. لكل تلك المراحل التي مرت فيها (الأنا) بأدوار استحالة.. إلى الـ(نحن)..
أنا هنا لا أتحدث عن صلاة الجماعة وفرضيتها، وكونها واجبة أو مندوبة، وكونها فرض عين أو كفاية، أو أجرها ومشقتها، ووجوبها فيما لو سمع الأذان، أو عدمه عند عدم السماع، كل ذلك مهم جداً، لكني أتحدث في موضوع آخر؛ إني أتحدث عن الصلاة (الإسلامية) بمطلق حالها..
حتى لو صليت بكل انفرادي، في الربع الخالي، أو على قمة جبل، أو على سطح القمر.. إني أتحدث عن شعيرة الصلاة، بغض النظر عن المكان الذي تؤدى فيه، وعدد الأفراد المصطفين في الصف.. أتحدث عن الصلاة، ولو أديتها وحدك منفرداً، في مجرة فارغة تبعد ملايين السنين الضوئية عن أقرب مسجد.
كل ما فيها، هذه الصلاة، يجسد الأنا وهي تستحيل إلى نحن..
كل ما فيها يعكس رؤية الإسلام المتميزة للعلاقة بين الفرد والمجتمع..
من بدايتها، في دعاء الاستفتاح إلى النهاية، حيث التسليم..
دعاء الاستفتاح..
(وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً مسلماً وما أنا من المشركين)..
إنه دعاء إبراهيم.. وعندما تستفتح به صلاتك، فإنك تتقمص ذلك الدور الإبراهيمي الذي بدأ الإسلام معه، فهو أول المسلمين..
دعاء الاستفتاح هذا سيذكرك بتلك الرحلة التي استفتحها إبراهيم، بدءاً من تلك الليلة التي بحث فيها عن الحقيقة، رافضاً كل أوثان المجتمع المكدسة، ومستخدماً عقله وإدراكه ليعلن: {قَالَ لاَ أُحِبُّ الآفِلِينَ}.
دعاء الاستفتاح ذاك سيضعك على المنصة التي كان فيها إبراهيم، وتلك الرحلة التي ابتدأت بالتساؤل وانتهت باليقين..
ويضعك دعاء الاستفتاح على محك تجربة إبراهيم، الذي بدأ (فرداً) وانتهى بأن صار. أمة.
{إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً} [النحل: 16/120] .
لقد بدأ الأمر من فرد - وانتهى بأمة..
وعندما تقول تلك الكلمات (وجهت وجهي..) فإنك تضمر ذلك كله، تضمر القبلة المكية لا بمعناها الجغرافي المجرد، بل بالمعنى العميق لرحلة إبراهيم الذي تقلب بين الآفلين ليبحث عن معبود لا يأفل، وتقلب بين المراكز الحضارية، ليبحث عن حضارة الفردوس المستعاد..
تضمر أن تنطلق من حقيقة جزئية هي كونك فرداً.. إلى حقيقة أكثر شمولاً؛ في كون هذا الفرد ينتمي إلى ما هو أكبر من مجرد فرديته...
ويبدأ ذلك من دعاء الاستفتاح، منصة الانطلاق تقف عليها الأنا... لتصب في محيط أكبر.. هو (نحن)..
لا صلاة بلا الفاتحة...
وبين الاستفتاح والفاتحة، رحلة تبدأ بالأنا وتنتهي بالـ(نحن)..
فها أنت ذا هنا تسميه ربَّاً للعالمين...، وهذا يضعك على الفور على المحك مع حقية انتمائك الواسع للإنسانية جمعاء، أكبر من انتمائك لذاتك أو لعشيرةٍ أو لقبيلةٍ أو لجماعةٍ صغيرة على هامش التاريخ..
ثم إنك ستستخدم، وأنت تحاوره، ألفاظاً تفيد أنك قد انطلقت من قيود فرديتك بالضمير المستتر الذي يفيد (نحن)..
لا شيء يمكن أن يغير ذلك.
لا شيء يمكن أن يجعلها (إياك أعبد، إياك أستعين، اهدني الصراط المستقيم)[(57)]
لا شيء سيغير ذلك، ستظل (نحن) مستترة وطاغية إلى يوم الدين..
لن تخاطبه إلا وأنت كذلك، جزءاً مِنْ (نحن).
كما لو أننا غير مؤهلين لعبادته إلا وقد نزعنا عنا ذلك الغطاء الذي يحتجزنا داخل فرديتنا، واقتحمنا العقبة.. نحو الآخرين .
لكن (الأنا) لن تختفي تماماً في الصلاة، ذلك أنك جزئيات المذاب تتداخل في جزئيات المذيب، لكنها تظل موجودة..
وكلما انحنيت ركوعاً أو سجوداً، ستعود لتستعمل ضمير الأنا.. (سبحان ربي العظيم) ستقول عند الركوع.. و(سبحان ربي الأعلى) عند السجود، لن تقول هنا: (سبحان ربنا الأعلى) أو (العظيم) وأنت في حالة الانحناء تلك.
كم ينسجم ذلك الوضع - وضع الانحناء في الركوع أو السجود - مع حقيقتك بكونك فرداً.. مع ضعفك كونك فرداً.. مع الضعف الإنساني كله.. الذي سيكون حقيقة أكبر عندما تكون فرداً..
وعندما ستقوم من ركوعك، ستقول ما يرجعك إلى ذلك الانتماء الأكبر.. إلى الضمير (نحن). ستقول: (ربنا ولك الحمد..)..
وبين هذا وذاك، وبين كل قيام وركوع وسجود، ستكون تلك الحقيقة الأكبر من فرديتك، ومن كل انتماءاتك... ومن كل الحقائق العابرة الأخرى.
حقيقة أن (الله أكبر).
وعندما تصل إلى التسليم، سيكون السلام (علينا) و(على عباد الله الصالحين)، فهذا الانتماء الجمعي لا فكاك عنه.
وفي تلك التحيات، سيتداخل محمد وإبراهيم، وآل محمد وآل إبراهيم، الاثنان كانا فردين، وانتهيا بأن صارا أمة.. تتعدى الفرد والزمان والمكان..
لست وحدك أبداً...
وعندما تنتهي من صلاتك، ستدير وجهك يميناً وشمالاً لتلقي التحية على من هو بجانبك من الجهتين.. (وقد لا يكون هناك أي أحد).
هل أنت مجنون؟ تلقي التحية على أشباح..
لا، لست مجنوناً، إنك في قمة عقلك، وعدمُ رؤيتك لأحد بجانبك لا يعني أنك وحدك..
فأنت، مادمت موجوداً، ومادمت قد أتممت صلاتك للتو..
فإنهم موجودون فيك..
كما أنك موجود فيهم..
إنها الأنا في النحن.
هذا هو.
هذه هي الصلاة، الركن الثاني من أركان الإسلام.
وهذا ما يميزها بالذات عن الصلاة في بقية الأديان، كتابية أو غيرها..
أعني أن كل الأديان فيها نوع من أنواع الصلاة بمعبودها، من خلال شعيرة تعبدية، يطلق عليها غالباً: صلاة... وهذا يشمل الجميع.
لذلك لا تميز للإسلام من غيره في كون الصلاة مهمة فيه، أو ثانية أركانه..
إنما التميز في هذا الذي تعنيه هذه الصلاة.. في كون الإسلام هو الدين الوحيد الذي تتوجه الصلاة فيه من خلال الجماعة..
هو الدين الوحيد الذي صلاته لا يمكن أن تؤدى بشكل انفرادي (حتى ولو كان المصلي واحداً). الدين الوحيد الذي تعبر الصلاة فيه عن علاقة بالله سبحانه وتعالى عبر ذوبان الأنا في الـ(نحن).
الإسلام هو الدين الوحيد الذي لا تستقيم الصلاة فيه، إلا عبر استقامة علاقة الأفراد بعضهم ببعض، إلا عبر استقامة علاقة الفرد بالجماعة..
إنها ليست تلك النقرات إذن، ولو كانت في منتهى الخشوع، حتى لو كانت دموعنا تسيل مدراراً.. حتى لو كانت قلوبنا ترتجف مثل شمعة في العاصفة.
لا، هذا لا يميز الصلاة في الإسلام، ففي كل الأديان هناك صلاة، ودموع وخشوع... مهما كان رأينا في ذلك، لكن هذا موجود.
الشيء الذي يميز الصلاة في الإسلام، هو أنها تعبر، بشكل شعائري، عن فلسفة علاقة الفرد بالجماعة.. وتطبيق هذه الفلسفة بشكل عملي، وتجعله أساساً في العلاقة مع الله عز وجل..
الشيء المميز في هذه الصلاة، هو أنها لا تكون مقبولة إلا عندما يذوب الفرد في الجماعة.
إنها علاقة مركبة، الله عز وجل (وتعالى عن أي جهة) والفرد - الجماعة من جهة أخرى..
وهذا حصري في الإسلام، ليس هناك أي صلاة أخرى في أي دين آخر، تمتلك مثل هذه الصيغة..
وهذا بدوره يعبر عن رؤية الإسلام لعلاقة الفرد بالجماعة، للأواني المستطرقة، للأنا التي تستمد قوتها من الـ(نحن)، للـ(نحن) التي تأخذ التنوع والثراء من الأنا..
هذا هو الركن الثاني من أركان ديننا. هذا هو الثابت الثاني الذي نحتاجه في مواجهة الإعصار.
إنه علاقة الفرد بالجماعة، وانتماؤه الحقيقي لها.. إن المهم في النهاية هو المجتمع.. والعلاقة الأمثل والأكمل والأفضل مع الله عز وجل، هي عبر هذا المجتمع كلاً واحداً.
هذا هو الثابت الثاني، قد تجسد ذلك شعائرياً عملياً في الصلاة، التي هي الحد الفاصل - فقهياً - بين الإسلام والخروج عنه.. (ألا يبدو هذا الآن - بهذا المفهوم - تحصيلاً حاصلاً؟).
إذن الثابت الثاني ليس نقرات نحاول أن تكون خاشعة وتامة الأركان وفي مواقيتها.. بل هو ذلك المفهوم الأعمق لعلاقة الفرد بالجماعة.. وهو العلاقة التي تناقض مفهوم الفردية الذي هو واحد من أهم ثوابت حضارة الفردوس المستعار، والذي يتسرب إلينا عبر أسماء مختلفة أو أسلوب حياة.. أو حتى بالاسم الصريح الذي لا يتعففون عنه.. الفردية..
سيقولون الآن: ماذا؟ هل تتصورون أنه يمكنكم التقدم خطوة بلا هذا المفهوم الذي سيجعلكم تتنافسون، وسيمدكم بالطموح الشخصي، ويمنحكم الحرية الشخصية؟.
لا تنمية بلا هذه الفردية، لا خطوة إلى الأمام من دونها.. لن يتحسن معدل الدخل الفردي إن لم يكن هناك فردية..
إن لم يقتنع كل فرد منكم أنه هو أهم شخص في حياته، فلا خطوة، ولو واحدة، إلى الأمام.
... لن أقول: إننا على صواب بوضعنا الحالي. بل إنني سأقول: إننا انتهينا إلى فردية خفية هي أشد وطأة من فردية الفردوس المستعار... (على الأقل هم عندهم قوانين تنظم هذه الفردية).
لا أتحدث عما هو موجود الآن.
بل أتحدث عما يجب أن يكون...
وأتمسك بهذا الذي يجب أن يكون.. في مواجهة هذا الذي يريدون له أن يكون (مع أنه يأتي مدججاً بالقاذفات والبوارج، وأجهزة الإعلام، والسلع الاستهلاكية المبهرجة.. ونمط الحياة الذي يقدمونه على أنه النمط الوحيد الممكن). مع ذلك، لا مفر.. من التمسك بثابتنا الثاني: الفرد في الجماعة.
أقصد: إقامة الصلاة.
من قال أن أمريكا ستمنعك الصلاة؟
لا، هي أذكى من ذلك، لو حاولت ذلك لهِجْتَ ومجْتَ وتظاهرت وأحرقت وهددت وتوعدت (وربما نفذت!..).
لكنها ستعاملك كطفل صغير، وستتركك تنقر كما تريد، ولن يضيرها في شيء أن تخشع وتدمع... افعل ذلك كما تريد، فأمريكا غير ملحدة كما تعلمون.
لكنها تريد منك، ودون أن تدري أنت، أن تكون صلاتك مفرغة من أهم معانيها.. أن تكون صلاتك فردية..
أن تكون صلاة منفردة حتى لو كنت تصليها جماعةً في الحرم المكي في صلاة التراويح في ليلة القدر..
إنها تريد أن تسلبك أهم معنى من معاني صلاتك، بل وعلى الأخص المعنى الذي ميز هذه الصلاة عن سواها..
فهل تقبل أنت؟..
د.أحمد خيري العمري
نشر في 09 تموز 2019
QR Code
تابع
متابع
تابع
متابع
تابع
متابع
تابع
متابع
تابع
متابع
تابع
متابع
تابع
متابع