Facebook Pixel
203 مشاهدة
0
0
Whatsapp
Facebook Share

معلومات وتساؤلات في علم النفس، من أحدها في مرحلة ما في حياتهم، يتوجه البعض للعلاج النفسي كي يساعدهم في التخلص من أنواع مختلفة من الضيق والألم، لكن كيف يعمل ذلك؟

***كيف يعمل العلاج النفسي؟***
في مرحلة ما في حياتهم، يتوجه البعض للعلاج النفسي كي يساعدهم في التخلص من أنواع مختلفة من الضيق والألم. ليس من السهل إتخاذ القرار بالتوجه للمساعدة النفسية، لما فيه من ضرورة وضع الثقة كاملة في شخص غريب (المعالج) ومشاركته بأعمق الأفكار والمشاعر والذكريات، والسماح له بالدخول لأكثر الأماكن خصوصية في النفس. هذا الأمر يمكن أن يكون مخيفا جدا للشخص الذي قرر التوجه للعلاج، مما يجعل الهدف الأول للجلسات العلاجية الأولى هو بمساعدة المعالج للمتعالج بإكتساب الثقة بشكل حذر وتدريجي، وإعطاءه الشرعية كاملة لمشاعر الخوف والتردد. اذا نجح الشخصان في الغرفة -المعالج والمتعالج- في بناء الثقة، يمكن للعلاج أن يتقدم نحو الهدف الحقيقي الذي توجه المتعالج بسببه للعلاج.

كي أوضح الأفكار العلاجية وراء كل علاج نفسي (على الأغلب في العلاج التحليلي، لكن يمكن دمج هذه التقنيات في علاجات أخرى أيضا، كالعلاج السلوكي المعرفي) أود ان أضع مثالا لجلسة علاجية خيالية، بعدها سوف أقوم بشرح مفصل عنها يوضح عدة مبادئ في العلاج النفسي. سوف أشرح الموضوع بطريقة مبسطة ومفهومة، لأن المقال موجه للجميع وليس للمجتمع المهني.

"كانت ساعة متأخرة من النهار. جلست في عيادتي أنتظره وحواسي كلها في تأهب للحظة حضوره. كان شابا في الخامسة والعشرين من عمره، لكنني لم أشعر إلى الآن بلحظة دخوله الغرفة. لم أسمع يوما صوت خطواته أو أي صوت آخر قبل أن يطرق الباب ويدخل. كنت أشعر أنه كائن "غير محسوس"، من تلك الكائنات الأسطورية التي تخرج في الليل وتفضّل المشي في الظلام. ربما لهذا السبب اختار ساعة متأخرة ليأتي بها للعيادة.
هذه المرة فشلت أيضا ولم يساعدني تأهب حواسي لتنبؤ لحظة وصوله. طرق الباب ودخل، ثم جلس أمامي بهدوء.
- لم يحصل أي تقدم هذا الأسبوع. لا زلت نفس الجبان الذي لا يجرؤ على مواجهة أي شيء.
- تكلمنا سابقا عن نمط قسوتك على ذاتك وانتقادك الدائم لنفسك. ما قلته الآن لا يختلف عن هذا النمط. كذلك الأمر توقعك من ذاتك أن تتغير خلال أسبوع.
- لكنني أستحق هذه القسوة ! أرجوكي لا تلاطفيني ولا تجامليني، أنا لست طفلاً صغيراً ... أحتاج أن أسمع الحقيقة منك!
- أين شعرت أني أجاملك؟
- أشعر بهذا دائما... أنت دائما متعاطفة وودودة وتجعلينني أشعر أنني "طبيعي" كأي شاب يجاهد لبناء حياته.. لكنني لا أشعر بأنني طبيعي.. أنا فاشل وأستحق التوبيخ.
- لكنك تلقيت الكثير الكثير من التوبيخ... ولا أعتقد أن هذا ساعدك. أعتقد أن هناك شيئا آخر . أنت تحاول أن تبني معي هنا علاقة مبنية على التوبيخ، لأن هذا هو نوع العلاقات الذي تعرفه وتعرف كيف تتصرف فيه وتعيش حسبه. لهذا علاقة غير مبنية على التوبيخ تظهر لك غير حقيقية. ما رأيك؟
- أنا بالفعل لا أعرف أي نوع آخر من العلاقات... حتى أنني أصبحت أشد الموبّخين لذاتي... لا أحتاج أبي ليوبخني على كل ما أفعل، ولا أحتاج أمي لتوبخني على تخييب ظنّ أبي، ولا أحتاج أختي لتوبخني على التسبب بتدهور صحة أمي.. أصبحت أقوم بهذا الدور بنفسي.. لكن ماذا إن كنت أستحق التوبيخ؟ ماذا إن كنت مذنبا بالفعل؟
- قد تكون قمت ببعض الأخطاء التي يجب أن تتحمل مسؤوليتها. لكن شعورك في هذا السياق جارف، كأنك لا تقوم بأي شيء صحيح. ما هي أفكارك بهذا الخصوص؟ هل أنت دائما مذنب وتستحق التوبيخ؟
- لا أعلم... أنا حقا لا أعلم... ربما الأمر كما قلت ، لم أعرف سوى علاقات التوبيخ لهذا ليست لدي فكرة عن الوضع البديل... أستطيع أن أستعمل منطقي لكنني أخاف من أن يكون منطقي غير صائب. مثلا... عندما كنت في الخامسة من عمري سقطت من دراجتي وقمت بكسر يدي. تلقيت توبيخا شديدا على عدم الحذر، وفي الطريق الى المستشفى لم أسمع سوى صراخا وتوبيخا، حتى أني أذكر أن أبي قال لي أنني بسبب كسر يدي سوف أرسب في دراستي. أذكر أنني خفت جدا وبكيت جدا. منطقي يقول لي أن في هذا كانت قسوة مفرطة لأنني كنت مجرد طفل في الخامسة! منطقي يقول أن طفلا في الخامسة تكسر يده يجب أن يحضنوه ويساعدوه ليهدأ من خوفه. لكنني شعرت حينها بأنني مذنب...
- لا زلت تشعر بأنك مذنب... لاحظ أنك قلت "قمت بكسر يدي" ولم تقل مثلا "تسببت السقطة بكسر يدي"...(رأيت الدموع في عينيه، ورأيت محاولاته لإخفاء الدموع).
- نعم.. لا زلت أشعر بأنني مذنب... بأنني قمت بأمر فظيع... لكن هذا غير صحيح... طفل في الخامسة سقط عن دراجته وكسرت يده هو أمر طبيعي جدا...
- أعتقد أنك في هذه اللحظة استبدلت مشاعر الذنب بمشاعر الألم.. وربما... الغضب؟
(رفع رأسه للأعلى وحاول أن يتنفس ويكبت بكاءه )
- أنت تمنع نفسك من البكاء.
- لا أريد أن أنهار.
- اذا بكيت هنا سوف تنهار في الخارج؟
- لا أعلم...
- أعتقد أن ما يحصل الآن هو أنك تعيد بناء تاريخك... تكتبه بقلمك الآن كشخص بالغ وليس كطفل، وأنت تكتشف أمورا مؤلمة ومثيرة للغضب.. هذه المشاعر تخيفك أيضا.. ربما لهذا لا تريد أن تبكي... أنت خائف ألا تتماسك بعد أن تبكي...
(رأيت معاناته في محاولاته لكبت بكائه، ولكبت الألم الذي لا يستطيع التحرر منه. ربما محاولتي لضبط ردة فعلة ناجمة عن خوفي الخاص من فقدان السيطرة، هذا أمر يجب أن أنتبه لاحقا لكيفية الحديث عنه في العلاج).
سوف أقترح عليك مساعدتي في موضوع البكاء. لا زال لدينا 15 دقيقة للقاء. ما رأيك أن تبكي لفترة لا تتعدى ال 5 دقائق، بعدها أطلب منك التوقف وأساعدك لتهدأ. بعدها يكون لديك 10 دقائق لنتكلم كي تخرج من هنا متماسكا.
(لم يجب لكنه بدأ فورا يبكي بكاءا مريرا، مغطيا وجهه بيديه. لم يطل بكاؤه لخمس دقائق).
- كيف تشعر؟
- رأسي يؤلمني، لكنني أشعر بالاسترخاء.
- هل تشعر بأنك سوف تنهار؟
- لا... أشعر أنني أتنفس بشكل أفضل. تخطر في بالي فكرة أخرى الآن...
- هل تود مشاركتي بها؟
- أصبح عمري 25 عاما والى الآن لم أغادر بيت والدي. البيت الذي كان من الأفضل لو غادرته منذ سنين طويلة... لماذا لم أغادره؟
- أعتقد أنك لم تشعر أن لديك الكفاءة الكافية لتكون إنسانا مستقلا ولتعيش وحدك... لكن هذا الموضوع يحتاج البحث المطول في لقائنا القادم..."

يبدأ تقرير الجلسة بوصف المعالجة للطريقة التي تشعر بها بما يتعلق بحضور المتعالج. في العلاج النفسي على المعالج أن يكون واعيا جدا للمشاعر التي تتكون بداخلة تجاه المتعالج. هذه المشاعر هي من أكثر الأمور ضرورة في العلاج النفسي، لأنه بواسطتها يستطيع المعالج فهم أمور عديدة، من ضمنها "كيف يمكن أن يشعر من يتواجد بحضور هذا المتعالج؟"، و"ما هي ردة الفعل التي يمكن أن يولدها هذا المتعالج بالشخص الذي أمامه؟". من خلال الإجابة على هذه الأسئلة يمكن مثلا للمعالج عمل مقارنة بين مشاعره هذه، وبين ما يصفه المتعالج عن الأشخاص في حياته، ومساعدته لاحقا في العلاج -عن طريق الحوار عن الموضوع ومشاركته بما يشعر- أن يفكر بأفكاره وتصرفاته التي تأتي بالنتيجة المؤلمة على الصعيد الإجتماعي، ويحاول تغييرها او تعديلها أو إتخاذ القرار الواعي بإبقاءها على ما هي واكتساب القدرة على تحمل نتيجتها.

لاحقا في الجلسة، تتحدث المعالجة والمتعالج في موضوع شعور المتعالج بالذنب وتأنيبه المتواصل لذاته. المعالجة تشير لعلاقة بين الطريقة التي يطالب المتعالج أن تعامله بها، وبين الطريقة التي يصف بها تعامل عائلته معه، وتشير إلى أن نمط العلاقات هذا ربما أصبح مترسخا داخل المتعالج حتى أنه أصبح غير قادر على رؤية أي نوع علاقات آخر. بشكل عام، يظهر المتعالج عن طريق نوع العلاقة التي يبنيها مع المعالج كيفية نظرته واستيعابه للعلاقات، والعلاج النفسي هو فرصة سانحة لمساعدة المتعالج بفهم هذا الأمر، وربما من خلال العلاقة الجديدة مع المعالج التي هي "من نوع آخر" يستطيع أن يتعرف ويشعر بنوع آخر من العلاقات، وأن يبدأ بتطبيقه في حياته خارج العلاج.

تذكر المعالجة بعد ذلك موضوع البناء المجدد للتاريخ الذاتي والماضي الشخصي. لكل شخص منا الطريقة التي يسرد بها لنفسه قصته الخاصة، لكن أحيانا جزء كبير من هذه القصة كتبت من وجهة نظر طفل صغير خائف. في أحيان كثيرة، نحن نكبر ونتغير، لكن القصة الذاتية تبقى مكتوبة بقلم الطفل الصغير بداخلنا. العلاج النفسي هو فرصة لكتابة مجدد للتاريخ الذاتي، كي تتناسب مع الشخص البالغ، حيث يتم التخلص من الخيال الطفولي والتفسيرات الطفولية، واستبدالها بقصة واقعية أكثر.

المدارس الحديثة في علم النفس التحليلي تضيف وعيا جديدا لعملية التحليل النفسي، وتنظر (بالإضافة لما ذكر سابقا) للمعالج أيضا كشخص قائم بحد ذاته في الغرفة، له مشاعر وتصرفات وأفكار خاصة. الأمر المهم ليس فقط "كيف تؤثر شخصية المتعالج على المعالج؟"، بل أيضا "كيف تؤثر شخصية المعالج على المتعالج؟". على المعالج أن يكون واعيا لذاته من خلال سنين طويلة من الدراسة التي يخضع فيها بنفسه للعلاج النفسي. على المعالج أن يسأل نفسه عن تأثير مزايا شخصيته وتاريخه الخاص على طريقته في الإستجابة للمتعالج. في تقرير الجلسة العلاجية نرى أن المتعالجة سألت نفسها سؤالا هاما، عن خوفها الشخصي من فقدان السيطرة وعملها على ضبط مشاعر المتعالج، ووضعت لنفسها ملاحظة لبحث هذا الموضوع مع ذاتها (أو مع مرشدها الخاص أو معالجها الخاص)، ثم إدخاله حين تتواجد فرصة سانحة في سياق العلاج. العلاج النفسي ليست فقط فرصة ليتغير بها المتعالج ويكتسب وعيا إضافيا، بل فرصة أيضا للمعالج، كي ينضج ويتغير.

عملية العلاج النفسي هي عملية معقدة وإنسانية ومثيرة للإهتمام. ومن ضمن هذا أيضا العلاج النفسي للأطفال عن طريق اللعب. كانت هذه فقط بعض المفاهيم في العلاج النفسي، لكنه عالم واسع وجميل، أتمنى أن يصبح في المستقبل متاح أكثر للقارئ العربي من خلال ترجمات ذات جودة عالية للكتب الحديثة.

***ملاحظة: الشخصيات في ما أكتب خيالية ولا وجود لها في الواقع، لأنني أحافظ على واجبي الأخلاقي بالحفاظ على سرية المتعالجين. هدفي من الكتابة هو التعريف عن العلاج النفسي وقدرته على البحث في الأعماق واستكشاف الذات والمساهمة في التطور.

للمزيد عن التحليل النفسي إقرأوا هذا الإقتباس: http://wp.me/p1vRV3
يمكنكم أيضا قراءة هذا المقال للتعرف على العلاج السلوكي المعرفي: http://wp.me/p1vRV3-bK

بسمة
أخصائية نفسية
الصحة النفسية
نشر في 31 تشرين الأول 2015
QR Code
تابع
متابع
تابع
متابع
تابع
متابع
تابع
متابع
تابع
متابع
تابع
متابع