Facebook Pixel
197 مشاهدة
0
0
Whatsapp
Facebook Share

اقترب اليوم يا فتى من عامي السبعين ولقد رأيت في هذه الدنيا كل ما يمكن لإنسان أن يراه شهدت حروبا وثورات وأوبئة ومجاعات، من رسائل السيد فرحان إلى الفتى ذي الرأسين

الهروب إلى الداخل
##

أقترب اليوم يا فتى من عامي السبعين.. ولقد رأيت في هذه الدنيا كل ما يمكن لإنسان أن يراه.. شهدت حروبا وثورات وأوبئة ومجاعات.. وكنت مع الذين حوصروا في قلعة باب الورد حتى أكلنا جيف الكلاب من شدة الجوع.. سافرت في الأرض وفي الجو وفي البحر.. وفي الصبح والليل والعصر.. وتعاقب علي حر الصيف وبرد الشتاء ما لا أحصيه.. وتقطعت بي السبل عدة مرات حتى أوشكت نفسي على الهلاك .. وأكلت الحلال والحرام والفاخر من الطعام والدنيء منه.. عشقت وتزوجت وزنيت وطلقت وأصبحت أرملا.. وولد لي أبناء ومات لي أبناء.. وحملت أحبائي على يدي ودفنتهم بيدي.. نمت في القصور والمستشفيات والسجون والمقابر والمساجد والمواخير، وفي ساحات الوغى وعلى قارعة الطريق وفي المزابل.. وجرى المال بين يدي حتى لا أعرف كيف أنفقه.. وافتقرت حتى شحذت شربة الماء..

وجالست الملوك والأمراء والعلماء والشيوخ والكتاب والتجار والبهاليل، وقادة العسكر وعامة الجند والعاهرات والمخانيث والقوادين وأرباب السحر وفقراء الدرب.. ورافقت من يمشي مكبا على وجهه وصاحبت من يمشي على صراط مستقيم.. وعرفت الحزن والفرح واللوعة والفقد والحسد والدهشة والبغضاء.. ولقد آمنت بالله.. وكفرت به.. عددا لا يحصى من المرات.. ورأيتني أسجد بين يديه باكيا خاشعا متضرعا كنبي.. ثم رأيتني أجحده وكأس الخمر في يدي وأمامي ترقص الغانية.. وظلمت وظلمني الناس.. وسرقت وسرقني الناس.. وكذبت على الناس وكذبوا علي.. وصدقتهم وصدقوا معي. حتى لم يبق بيني وبينهم شيء إلا وتبادلناه..

لكن الشيء الوحيد الذي لم أعرفه خلال سنين عمري الطويلة هذه هو الخوف.. لم يسبق لي أن خفت من شيء ما أو شخص ما أو موقف ما.. مما في داخل عالمنا هذا أو من خارجه.. حتى الملائكة الذين سيرسلهم الله ليأخذوا روحي لا أخاف منهم.. أتوقعهم في كل لحظة.. أمشي في ممر بيتي أحيانا فيهيأ لي أنهم سيظهرون
الآن من خلف الباب.. فأقف في وسط الممر مشرعا صدري.. وطالبا منهم الظهور.. لم أخف.. لأنني كنت موقنا أنه مهما كان الخطر الذي يعتريني.. فإن في داخلي ما سيمكنني من التغلب عليه..

لذلك فإن الشيء الوحيد الذي أراه يرعبني الآن..هو أن يفتح هذا الباب فجأة.. ويظهر منه شخص يشبهني تماما في ملامحه.. ويملك في داخله ما أملك.. ويعرف عني ما أعرفه عن نفسي.. أن أواجه حقيقة ذاتي, سيكون هو الشيء الأكثر رعبا على الإطلاق.. وهذا هو ما قد يدفعني لأن أتبول على نفسي كطفل.. هل تعرف لماذا؟ لأنه لن يكون بوسعي وقتها أن أختبئ.. لن أستطيع أن أهرب بعد ذلك إلى داخلي.. وهذا هو الجحيم فيما أعتقد..

#ديك_الجن

من رسائل السيد فرحان إلى الفتى ذي الرأسين..
كتابات ديك الجن
نشر في 28 تموز 2018
QR Code
تابع
متابع
تابع
متابع
تابع
متابع
تابع
متابع
تابع
متابع