Facebook Pixel
أعرف ماذا فعلت
129 مشاهدة
0
0
Whatsapp
Facebook Share

ارتجفت أصابع صلاح ، وهو يفتح باب مكتب خاله عبد الفتاح وتسارعت نبضات قلبه في قوة ، وهو يخطو إلى داخل الحجرة

ارتجفت أصابع صلاح ، وهو يفتح باب مكتب خاله (عبد الفتاح) ، وتسارعت نبضات قلبه في قوة ، وهو يخطو إلى داخل الحجرة ، ويغلق بابها خلفه في إحكام ، ثم لم يلبث أن ألقى جسده على أول مقعد صادفه ، وراح يلهث في شدة ، وكأنما أتى مجهودًا جبارًا ..

كان يرتعد من قمة رأسه حتى أخمص قدميه ، على الرغم من ثقته الشديدة بأن فيلا خاله خالية تمامًا ، غارقة في الظلام ، لا تتردد فيها أنقاس سوى أنافسه اللاهثة ..

ولكنه لم يكن سارقًا محترفًا ، حتى يمكنه تمالك أعصابه ، وهو يقدم على أول عملية سرقة في حياته ، بل إنه على العكس ـ صاحب أعصاب اضعف مما ينبغي ..

صحيح أنه أعد خطته في ذكاء ، ونجح في سرقة خزانة خاله ، وصنع نسخة منه ، وأعاده ، دون أن يشعر خاله بهذا ، ثم انتظر في صبر ، وحتى سافر خاله مع أسرته إلى (الإسكندرية) ، كعادتهم في الأجازات الصيفية ، وأسرع ليتم خطته ، ويستولي على كل الأموال في خزانة خاله البخيل ..
وعلى الرغم من هذا ، فهو ليس سارقًا محترفًا ..
إنها الظروف ، التي دفعته إلى هذا ..
ظروف تلك العادة القبيحة ..
الميسر ..
إن (صالح) مقامر من الطراز الأول ، لا يمكنه مقاومة الجلوس على مائدة القمار ، كلما رأى أوراق اللعب في أيدي الآخرين ..
أو حتى ملقاة وحدها ..
ولكنه ليس من الطراز الأول ، بالنسبة للربح والخسارة ..
إنه يخسر أكثر مما يربح ..
أكثر بكثير ..
وفي هذه المرة كانت خسارته فادحة ..
لقد خسر كل ما يملك ، وأعطى دائنيه بعض الشيكات دون رصيد ، وهو يعلم أنهم لن يترددوا في إلقائه خلف القضبان ، لو لم يسدد ديونه حتى آخر قرش ، وفي الموعد المحدد ..
ولقد طلب من خاله أن يقرضه المبلغ ..
ولكن الخال رفض ..
ولم يكتف بالرفض ، وإنما راح يكيل له الاتهامات ، وينعته بمختلف النعوت ..

وهنا نبتت الفكرة في رأسه ..
لم لا يعاقب خاله بسرقة أمواله ؟
راقت له الفكرة ، فوضعها على الفور موضع التنفيذ ..
فلماذا يرتعد هكذا إذن ، عندما حانت اللحظة الحاسمة ؟ ..
تطلع من مقعده إلى الخزانة ، وشعر بساقيه تخذلانه ، وراودته فكرة إرجاء العملية كلها ، ثم لم يلبث أن تذكر أن خاله يكتفي عادة بإيصال عائلته إلى (الإسكندرية) ، ثم يعود في اليوم التالي لمواصلة عمله ، تاركًا الأسرة هناك ، وهذا يعني أن إرجاء العملية يساوي فشلها ، وإضاعة الفرصة المناسبة إلى الأبد ، ودخوله السجن ، و ...
لا .. لن يرجئ العملية ..
نهض في حزم ، واتجه إلى الخزانة ، ودس المفتاح في ثقبها ، وهو يتساءل :
لماذا يستخدم خاله خزانة عتيقة الطراز إلى هذا الحد ؟ ..
لم لا يستخدم خزانة حديثة ، ذات أرقام سرية مثلا ؟ ..
ولكن هكذا هو ، عتيق الطراز ..
يؤمن بكل الماضي ، ويرفض الحاضر والمستقبل ..
ولكن ما شأنه هو بمعتقدات خاله ، فليحصل على النقود ، ويغدر المكان بسرعة ..
ولن يترك بصماته على الخزانة بالطبع ، فهو يرتدي قفازين مطاطين ..
إنه لم يترك أي فرصة للخطأ ..
ولكن ماذا لو أن الخزانة فارغة ؟..
اتجف للفكرة ، فأسرع يفتح باب الخزانة عن آخره ، ثم ابتسم في ارتياح ..

ها هي ذي الأموال تطالعه ..
رزم أوراق النقد ، التي يخفيها خاله في منزله ، خوفًا من الضرائب ..
وبسرعة أسرع ينقل النقود إلى حقيبته ، ثم أغلق الخزانة ، وانتزع منها المفتاح ، وغادر الفيلا ، وألقى المفتاح وسط حديقتها ، ثم تسلق سورها الخلفي ، المطل على منطقة مهجورة ، لن يلمحه فيها أحد ..
لقد نجح ..
نفذ الخطة كما وضعها تمامًا ..
وها هو يعبر السور إلى الخارج ، و ..
وفجأة اصطدمت عيناه بعيني رجل ..
رجل متين البنيان ، أشيب الفودَّين ، يرتدي قميصًا وسروالًا عاديين ، بدا وكأنه ينتظره خارج أسوار الفيلا ، ويرمقه بنظرة نارية صارمة ..
وارتجف (صالح) ، وهو يتطلع إلى العينين الصارمتين ، وغمغم مرتبكًا :
ـ إنني أحد سكان الفيلا ، وقد قفزت عبر السور بسبب ..

قاطعه الرجل في صرامة :
ـ أعرف ماذا فعلت .

هوى قلب (صالح) بين ضلوعه ، وارتعد صوته ، وهو يقول ي لهجة بدت اقرب إلى الضراعة :
ـ لم أفعل شيئًا .

كرر الرجل في صرامة :
ـ أعرف ماذا فعلت .

انهار (صالح) على الفور ، وهتف والدموع تتجمع في عينيه :
ـ لم أكن أقصد هذا .. صدقني .. إنني لست لصًا .. إنها الظروف .. الظروف التي ..

قاطعه الرجل مكررًا الجملة نفسها :
ـ أعرف ماذا فعلت .

انحدرت الدموع من عينيّ (صالح) ، وهو يقول :
ـ أرجوك .. لا تتسبب في إلقائي في السجن .. إنني ابغض السجون والقضبان .. أرجوك .
ثم رفع حقيبته إلى الرجل ، هاتفًا :
ـ سأعطيك نصف ما حصلت عليه .. ما رأيك ؟ .. إنه مبلغ ضخم و ...
للمرة الثانية قاطعه الرجل :
ـ أعرف ماذا فعلت .

أدرك (صالح) ما يعنيه الرجل ..
إنه يطلب الغنيمة كلها ..
لا ريب أنه لص محترف ، أدرك أنه يواجه هاويًا ، فقرر تجريده من غنيمته ، والاستيلاء عليها لنفسه ..
وهو لص ضخم الجثة ، لن ينجح (صالح) في مقاومته أبدًا ..
وفي مرارة قال ضارعًا :
ـ ألا تترك لي شيئًا ؟

بدت عينا الرجل أكثر صرامة ، فارتجف (صالح) ، وناوله الحقيبة مستسلمًا ، وهو يقول :
ـ ها هي ذي .. ها هي ذي .
ولم يكد الرجل يمسك الحقيبة ، حتى أطلق (صالح) ساقيه للرياح ، مبتعدًا عن المكان ، ولم يتوقف عن الركض ، إلا عندما بلغ منطقة مأهولة بالسكان ، فراح يلهث في قوة ..
لقد خسر النقود ..
خسر كل ما خط له ..

وفجأة توقفت إلى جواره سيارة كبيرة ، وقفز منها رجلان ضخما الجثة ، فتراجع صارخًا في ذعر ، ولكن أخد الرجلين ربت على كتفه ، قائلًا :
ـ معذرة يا سيّدي .. إننا لن نقصد إفزاعك ، ولكننا نبحث عن رجل .

ردد في دهشة :
ـ رجل ؟!

أجابه الآخر :
ـ نعم .. إنه رجل ضخم الجثة ، متين البنيان ، اشيب الفودين ، يرتدي قميصًا وسروالًا عاديين .

تعرَّف الرجل على الفور ، فسألهما مرتجفًا :
ـ أهو مجرم خطير ؟
هز الأول رأسه نفيًا ، وقال :
ـ أبدًا .. إنه وديع للغاية ، ولكنه يحدق أحيانًا في العيون بصرامة مفتعلة ، ويردد دائمًا عبارة واحدة .

شحب وجه (صالح) ، وهو يقول :
ـ عبارة واحدة ؟!

أجابه الرجل مشفقًا :
ـ نعم .. عبارة تقول : "أعرف ماذا فعلت" .. إنه يرددها دون أن يدرك معناها .. ولكن هذا ما يفعله كل المجانين .. أليس كذلك ؟

ترنح (صالح) في مكانه ..
إذن فالرجل مجنون ..
مجرد مجنون ..
امتلأت نفسه بمرارة لا حد لها ، والرجل يسأله :
ـ هل رأيته ؟
أجابه في حنق :
ـ لا .. لم أره.

وقبل أن يلقي عليه الرجل سؤالًا آخر ، كان قد اندفع عائدًا إلى تلك المنطقة المهجورة ، حيث ترك الرجل ..
المجنون ..
أخذ يعدو بكل ما يملأ نفسه من حنق ومرارة ؛ حتى يمكنه اللحاق بذلك المجنون ، قبل أن يفر بالأموال ، التي بذل هو كل هذا الجهد ؛ ليحصل عليها ..
وشعر بالارتياح ، عندما رآه هناك ..

كان يقف في نفس الموقع ، يعبث بالحقيبة ، محاولًا فتحها ..
وفي صرامة ، اتجه إليه (صالح) ، وقال :
ـ اعطني الحقيبة .

تراجع الرجل ، وهو يرمقه بتلك النظرات الصارمة ، ولكن (صالح) لم يبال بها هذه المرة ، وإنما صاح في غضب :
ـ قلت أعطني الحقيبة .

وأمسك الحقيبة في قوة ، ولكن الرجل حاول انتزاعها منه ، فصاح (صالح) :
ـ لن أتركها لك .. لن تحصل عليها بعد كل ما فعلته من أجلها .

راح المجنون يصرخ بصوت مزعج ، وهو يتشبث بالحقيبة في قوة ، فصاح به (صالح) :
ـ اصمت .. إنك ستوقظ المنقطة كلها .. اصمت .

ولكن المجنون واصل صراخه الحاد المزعج ، فالتقط (صالح) حجرًا كبيرًا ، وصرخ :
ـ قلت لك اصمت .

هوى بالحجر على رأس الرجل مرة .. ومرة .. ومرة ثالثة ..
وصمت المجنون ..
صمت إلى الأبد ..
وتوقف (صالح) مبهوتًا ، والحجر الملوث بالدماء في قبضته ، والمجنون تحت قدميه صريعًا ، وقد تهشمت جمجمته .
وفجأة انطلقت من حلقه شهقة ، جعلته يلتفت إلى مصدرها في رعب ..
إنهما الرجلان ، اللذان يبحثان عن المجنون ..
لماذا لحقا به إلى هنا ؟ ..
هل جذبتهما صرخات ذلك المجنون ؟..

لم يطل تساؤله ، وأحد الرجلين يهتف :
ـ ماذا فعلت ؟

وصاح الثاني :
ـ أعرف ماذا فعلت .. لقد قتلت الرجل .. قتلته دون ذنب جناه .. أعرف ماذا فعلت ..

راح الرجل يكرهها في استنكار واشمئزاز ، في حين تجد (صالح) كالتمثال ، وفي رأسه تدور العبارة نفسها ..
نعم أعرف ماذا فعلت .. ولكن عزائي الوحيد هو أنني لم أذهب إلى السجن ، بل إلى الحبل ..
حبل المشنقة ..

وفجأة انطلق (صالح) يقهقه في جنون ، وشق صوته ظلام الليل ، وهو يصرخ :
ـ نعم .. أعرف ماذا فعلت .. أعرف ماذا فعلت ..
وترك الحقيبة تسقط ..
بلا مبالاة ..

----------------
(د. نبيل فاروق ـ كوكتيل 2000 ـ العنقاء)
روايات مصريـة
نشر في 22 تموز 2016
QR Code
تابع
متابع
تابع
متابع
تابع
متابع
تابع
متابع