Facebook Pixel
قصة قصيرة همس
212 مشاهدة
0
0
Whatsapp
Facebook Share

كان رأفت يعمل أمام جهاز الكمبيوتر الخاص به في مقر عمله عندما سمع من يهمس في أذنه مباشرة.. وكان الهمس شديد الوضوح إلى درجة لا يمكن نكرانها

كان رأفت يعمل أمام جهاز الكمبيوتر الخاص به في مقر عمله عندما سمع من يهمس في أذنه مباشرة.. وكان الهمس شديد الوضوح إلى درجة لا يمكن نكرانها..

“ماذا قلت؟!”
التفت رأفت يلقي السؤال على زميله، الذي يجلس على المكتب المجاور له تماما، فضحك زميله، وهو يلوح بيده، قائلا:
- لم أقل شيئا.. إنني أعمل في صمت كعادتي.

ارتسمت الحيرة على وجه رأفت، وهو يقول:
- خيّل لي أنك قد همست بشيء ما.
هز زميله رأسه نفيا، وهو يعود إلى عمله، مغمغما في ضجر:
- لم أفتح شفتيّ حتى.

عاد رأفت إلى عمله بدوره، وهو يشعر بحيرة كبيرة!!
لقد سمع هذا الهمس في وضوح..
ربما لم يتبين فحواه أبدا، ولكنه سمعه..

كان يعمل أمام جهاز الكمبيوتر الخاص به، في مقر عمله، عندما سمع من يهمس في أذنه..
في أذنه مباشرة..
وكان الهمس شديد الوضوح، إلى درجة لا يمكن نكرانها..

طرح الأمر عن رأسه، وعاد يواصل عمله في اهتمام، وشعر بزميله ينهض، وهو يقول متثائبا:
- سأخرج لتدخين سيجارة، وسأعود على الفور.
وافقه رأفت بإيماءة من رأسه، وهو يواصل عمله..
ولم تمض دقيقة واحدة بعدها، حتى سمع هذا الهمس مرة أخرى.
سمعه أكثر وضوحا..

وعلى بعد سنتيمترات قليلة من أذنه..
وفي حركة حادة، تلفت حوله، وهو يرتجف..
زميله ترك المكتب، ولم يعد هناك سواه..
فمن يهمس في أذنه؟!
من؟!

نهض يبحث في كل مكان، داخل ذلك المكتب الصغير..
حتى سماعات جهاز الكمبيوتر، فحصها بكل دقة..
السماعات حتى لم تكن موصولة..
لم يكن هناك أي مصدر، يمكن أن يأتي منه الهمس..

كان الأمر صعبا هذه المرة، إلا أنه بذل قصارى جهده؛ ليطرح الأمر عن رأسه، وقرر أن يولي كل اهتمامه وانتباهه لعمله، لعل هذا يبعده عن هلوسة الهمس هذه..
وفي شيء من الحزم، جلس أمام شاشة الكمبيوتر، و…

وارتجف جسده في قوة..
لقد شاهد ذلك الظل يعدو..
عبر شاشة الكمبيوتر..
ظلا بلا تكوين واضح، برز من أحد جانبي الشاشة، واندفع عبرها في حركة أشبه بالعدو، ليختفي عند الجانب الآخر منها..

ووثب رأفت من مقعده، وابتعد عن مكتبه، يحدق في شاشة الكمبيوتر في ذعر..
ما هذا بالضبط؟!
أهو خلل في جهاز الكمبيوتر، أم فيروس رقمي، دسّه أحد في برنامجه؟!
ولكن كيف يمكن حتى أن يدس أحدهم فيروسا في جهازه؟!

هناك جدار ناري قوي، يحمي كل أجهزة الشركة، ومتابعة دقيقة مستمرة، تمنع اختراق برامجها، مهما كانت براعة المخترق..
“ماذا تفعل؟!”.
فاجأه صوت زميله، وهو ينطق السؤال في دهشة، فالتفت إليه بحركة حادة، زادت من دهشته، ودفعته إلى أن يستطرد:
- ماذا بك يا رأفت؟! تبدو مضطربا للغاية!!

حاول رأفت أن يتمالك جأشه، وهو يعتدل واقفا، ويقول في توتر، لم يستطع أن يداريه:
- هناك خلل ما في جهاز الكمبيوتر.
اتجه زميله نحوه، وهو يقول في حيرة:
- ولماذا لم تحاول الاتصال بالقسم الفني، بدلا من كل هذا التوتر.

قالها زميله، وهو يحرّك أصابعه، على لوحة أزرار الكمبيوتر، قبل أن يعتدل، قائلا في حيرة أكبر:
- يبدو لي سليما للغاية.
ثم ربت على كتف رأفت، مستطردا في إشفاق:
- على عكسك أنت.

أمسك رأفت رأسه بيده، وهو يغمغم:
- ربما كنت مرهقا بالفعل.
قال زميله في إشفاق:
- اطلب إذنا بالانصراف المبكر إذن.. لم تتبقّ سوى ساعة واحدة أو أقل على موعد الانصراف الرسمي..

أجابه رأفت في عصبية:
- أنت تعلم أن المدير لن يوافق.
قال زميله في حسم:
- سأعمل على إقناعه.. انتظرني قليلا..

انصرف زميله، وبقي وحده مرة أخرى في المكتب، يتلفت حوله في قلق وتوتر، قبل أن يزفر مغمغما:
- إنه إرهاق.. حتما إنه إرهاق.. أحتاج بالفعل إلى بعض الراحة.. سآوي إلى فراشي، فور عودتي إلى المنزل.
تطلّع إلى شاشة الكمبيوتر في خوف مبهم، ثم هز رأسه، مغمغما بكل توتره:
- نعم.. الانصراف هو الحل.. هذا العمل يثير إرهاقي بشدة، و…
وفجأة، وقبل أن يتم عبارته، سمع ذلك الهمس..
كان هذه المرة أكثر وضوحا..
وأكثر تميزا..

ففي هذه المرة، أمكنه تمييز كلمة أو كلمتين منه..
ولكنه وثب من مكانه بكل الرعب..
وعلى الرغم منه انطلقت من حلقه صرخة..
صرخة مكتومة، بدا له وكأنها قد ترددت في كيانه كله..
في كل جزء من جسده..
وكل خلية من خلاياه..

ومع صرخته، فتح زميله باب الحجرة، وتوقف مشدوها مذهولاَ..
وبكل توتره واضطرابه، قال له رأفت، وهو يلوح بذراعه في قوة:
- لقد لدغتني نحلة.
دار زميله ببصره في الحجرة في حيرة، مغمغما:
- نحلة؟! هنا؟!
غمغم رأفت بكل انفعاله:
- ربما..

لم يزد حرفا واحدا، فاتجه زميله نحوه، وربت على كتفه متعاطفا، وغمغم محاولا تهدئته:
- نعم.. ربما..
ربت عليه مرة أخرى، وهو يحاول أن يبتسم، قائلا:
- أهنئك.. المدير لم يوافق على انصرافك الآن فحسب، ولكنني أقنعته أيضا بأن يمنحك إجازة ليوم الغد.

ثم مال نحوه، مضيفا:
- غدا الخميس، وهذا يعني أنك ستحصل على راحة لثلاثة أيام.
غمغم رأفت:
- نعم.. هذا أفضل.
لملم أشياءه، وحمل حقيبته الشخصية، وهو يقول:
- أعتقد أن هذا ما أحتاج إليه بالفعل.

ربت زميله على كتفه مرة أخرى، وابتسم ابتسامة مشفقة، وهو يقول:
- حاول أن تنام كثيرا، وتستنشق الكثير من الهواء النقي.. هذا المكتب المغلق يصيبني أنا أيضا بالاختناق.
وافقه رأفت بإيماءة متوترة، وغادر المكتب، وهو يلتقط بعض الهواء خارجه..
ولكن الهواء خارج المكتب، لم يكن يختلف عن الهواء داخل المكتب..
نفس ذلك الشعور المؤلم بالاختناق..

سار بخطوات سريعة، محاولا مغادرة مبنى الشركة كله، وعقله، على الرغم منه، يستعيد تلك الكلمات القليلة، التي ميّزها، في ذلك الهمس الأخير..
“الخامسة ودقيقتان…”.
انتفض عندما سمع هذا الهمس أكثر وضوحا هذه المرة..
وكانت الكلمات مميزة للغاية..

انتفض، ولكنه لم يتلفت حوله، حفاظا على هيبته، وسمعته وسط زملاء العمل، وعمال وموظفي الشركة..
وبكل توتره، حاول عقله أن يستعيد كل معارف حياته..
مشكلة نفسية..
هذا ما جال بخاطره..

لقد قرأ يوما أن المصابين ببعض الأمراض النفسية، يسمعون همسا أحيانا..
وكذلك بعض المصابين بمشكلات في المخ..
هالته الفكرتان، وقرر أن يعرض نفسه على طبيب متخصص، فور استيقاظه من نومه..
فقط ليطمئن على نفسه..
وعلى عقله..

اتجه في خطوات سريعة نحو سيارته، وأدار محركها، دون أن يتوقف عن التساؤل..
من أين يأتي هذا الهمس؟!
وما الذي يعنيه؟!
ولماذا الخامسة ودقيقتان بالتحديد؟!
لماذا؟!

انطلق بسيارته، محاولا طرح الأمر كله عن رأسه، إلا أن عقله أصر على أن يستمر في التفكير..
ماذا بالفعل، لو أنه مرض نفسي..
هلاوس سمعية بصرية..
أو انفصام في الشخصية..
ولكن لماذا؟!
ماذا استجد، ليصاب بمرض نفسي؟!
حياته تسير على وتيرة واحدة ثابتة..

يستيقظ في الصباح، ويتناول إفطاره، ويذهب إلى عمله، ويقضي فيه يومه، ثم يعود ليشاهد التلفاز، ويستحم، ثم يأوي إلى فراشه..
لم يتزوج..
ولم يرتبط بأحد..
وليست له حتى هواية تشغل وقت فراغه..
أمن الممكن أن يكون هذا هو السبب؟!
الفراغ.. والوحدة؟!
ربما كان هذا هو السبب بالفعل..
إنه يحتاج إلى الصحبة..
إلى رفيقة حياة..
إلى هواية ما، تشغل وقت فراغه..
ولكن كيف؟!

شعر برغبة عارمة في العودة إلى منزله، فزاد من سرعة سيارته، وأشعل مشغل الموسيقى؛ لتغيير الجو المحيط به..
وكمحاولة للخروج من توتره، راح يغني بصوت مرتفع، مع تلك الأغنية القديمة، التي تنبعث من مشغل الموسيقى، و…

وفجأة، وعلى الرغم من كل الضجيج، الذي يصنعه امتزاج صوته المرتفع، بمشغل الموسيقى، سمع ذلك الهمس..
همس أشبه بالفحيح، يهمس، ليس على بعد سنتيمترات من أذنه، بل داخل أذنه.. داخل كيانه كله…
وعبر زجاج السيارة الأمامي، شاهد ذلك الظل غير المميز، يعدو من أحد جانبي الزجاج، إلى الجانب الآخر..
وانتفض جسده في قوة وعنف..
وصرخ..

وفي نفس اللحظة، ظهرت سيارة النقل الثقيلة، التي تندفع نحوه في سرعة..
واختلت عجلة القيادة في يده، مع صرخته ورعبه..
وكان الاصطدام بالغ العنف..
وبينما هو ملقى، يلفظ أنفاسه الأخيرة، وسط حطام سيارته، لمح تلك الساعة الرقمية في تابلوه السيارة، أو ما تبقى منه..

وكانت تشير إلى الخامسة ودقيقتين..

تمامًا ..

(تمت)
روايات مصريـة
نشر في 02 تموز 2016
QR Code
تابع
متابع
تابع
متابع
تابع
متابع
تابع
متابع
تابع
متابع