Facebook Pixel
 قصة ذاكرتي
168 مشاهدة
0
0
Whatsapp
Facebook Share

م ن أنا؟! كان هذا أول سؤال طرحته على نفسي، عندما استعدت وعيي، في تلك المنطقة المقفرة، مع مغيب الشمس

م ن أنا؟! كان هذا أول سؤال طرحته على نفسي، عندما استعدت وعيي، في تلك المنطقة المقفرة، مع مغيب الشمس

من أنا؟!

كان هذا أول سؤال طرحته على نفسي، عندما استعدت وعيي، في تلك المنطقة المقفرة، مع مغيب الشمس..

أول ما رأته عيناي، عندما فتحتهما، هو قرص الشمس الأحمر، وهو يتوارى خلف الجبال في الأفق..

كانت هناك الكثير من الجبال من حولي، كما لو أنني وسط منطقة جبلية في صعيد مصر!! أو ربما في سيناء!!

لم أكن أدري؟!

كنت أجهل تماما ما الذي أتى بي إلى هذا المكان!

ولماذا؟!

بل كنت أجهل حتى من أنا!!!

كنت أشعر بصداع شديد يكتنف رأسي، وألم في مؤخرة عنقي، كما لو أنني قد تلقيت ضربة ما، في وقت ما..

وربما كان هذا ما أفقدني وعيي..

وذاكرتي..

توقفت في مكاني، لا أدري أين أذهب بالضبط، فقد بدأ كل ما يحيط بي متشابها، حتى لا يمكنني تحديد إلى أي اتجاه ينبغي أن أسير..

ولم أكن أستطيع البقاء في مكاني، في الوقت ذاته؛ لذا فقد أخذت الاتجاه الذي لا ترتطم عيني في نهايته بجبل ما، ومضيت قدما إليه..

وبينما أسير بلا هدى، رحت أعتصر عقلي، محاولا إنعاش ذاكرتي..

“ماذا تريدون مني؟!”

تذكّرت صرختي المذعورة، وعربدت في رأسي ذكرى رجال يهاجمونني، فور هبوطي من سيارتي أمام منزلي.. أذكره جيدا..

إنها فيلا صغيرة، في حي شديد الهدوء، من أحياء المعادي..

عظيم.. هذا يعني أن ذاكرتي في طريقها إلى العودة..

كان الظلام يُطبق في سرعة، تساعده في هذا الجبال العالية، في غرب الطريق، الذي أسير فيه، مما جعل الخوف يتسرب إلى نفسي، من أن أفقد القدرة على الرؤية، فلا يعود لسيري من هدف..

ولكن القمر بدأ يبرز في السماء..

ومن حسن حظي أنه كان بدرا، مما جعل ضوءه الفضي ينير الطريق أمامي، ويزيل مني بعض الخوف، وإن أضافت تلك الظلال الضخمة، التي تُلقيها الجبال، جانبا آخر إلى مخاوفي، مما جعلني أرفع عيني إلى القمر المضيء، الذي بدا لي أشبه بمصباح كبير مضاء، و…

“ماذا تفعلون بي؟!”

استعاد عقلي فجأة، تلك الصرخة المذعورة التي أطلقتها، وأنا أحدق في دائرة الضوء الكبيرة، فوق رأسي مباشرة، وهم يقيدونني إلى مائدة تشبه موائد الجراحة..

بل كانت بالفعل مائدة جراحية..

وهم يلتفون حولي بتلك الثياب الخضراء، التي يرتديها الجراحون في المعتاد، والقفازات المطاطية تغطي أيديهم، والكمامات الطبية تخفي وجوههم..

“لا تقلق.. إنها مجرد تجربة علمية”

قالها أحدهم، فصرخت -حسب ما أذكر- بكل التوتر والذعر:

- ومن أخبركم بأنني فأر تجارب؟!

أذكر جيدا ألم تلك الإبرة، التي انغرست في ذراعي، مع ذلك الصوت، الذي بدا وكأنه يأتي من أعماق سحيقة:

- اهدأ، وسيكون كل شيء على ما يرام.

ثم بدأت ذاكرتي تنسحب..

وتنسحب..

وتنسحب..

من أنا؟!

عدت أطرح السؤال على نفسي، التي امتزج فيها الخوف بالتوتر الشديد، مع استعادتي لتلك الذكريات، التي لا تدعو أبدا إلى الارتياح..

ما تلك التجربة، التي كانوا يتحدثون عنها؟!

ولماذا يجرونها عليّ؟!

ولأي هدف؟!

“ما تقوله أشبه بالخيال العلمي، يا دكتور حسني”.

استعدت فجأة تلك الذكرى، التي لا ترتبط بما استعدته من قبل..

“لا يوجد مستحيل في العلم يا دكتور مندور”.

كنت أستعيد حوارا بين رجلين، ربما سمعتهما يتبادلانه..

أو أنني كنت أحدهما..

لست أدري!

“الاستنساخ لم يعد خيالا، بل أصبح حقيقة واقعة”..

“وما زال استخدامه على البشر غير قانوني، في كل دول العالم”..

“هذا عندما يرتبط بالأسلوب التقليدي، الذي يتم فيه محو الكروموسومات تماما من البويضة، وزرع خلية غير جنسية فيها، ثم إعادة زرعها في رحم آدمي؛ ليتواصل نموها، كأي جنين طبيعي”..

“هذا ما تحتمه قواعد الطبيعة، أما الفركة التي تتحدث عنها، فهي علميا مستحيلة”.

“كل علم تحقق عبر التاريخ، أكدوا يوما أنه مستحيل”.

عند هذه النقطة، غابت عني الذاكرة مرة أخرى..

ولكنني أذكر هذا الحوار جيدا..

وبكل تفاصيله..

وجسدي بدأ يشعر بالإرهاق، من طول السير وشدة التوتر والخوف..

من أنا؟!

مرة ثالثة طرحت على نفسي السؤال..

أأنا أحد طرفي ذلك الحوار، الذي استعادته ذاكرتي، أم إنني كنت….

توقف السؤال في رأسي فجأة، وقفز اسم جديد إلى ذاكرتي..

مصطفى.. المساعد الطبي في معمل الأبحاث..

لم تكن هناك مرآة، يمكنني فيها رؤية ملامحي، مما قد يساعدني على استعادة ذاكرتي، وتحديد هويتي..

أأنا مصطفى، المساعد الطبي، الذي أجروا عليه تلك التجربة؟!

وما تلك التجربة بالضبط؟!

أهو أمر خاص بعلم الاستنساخ؟!

ولكن ما شأني أنا بهذا؟!

بل من أنا من الأساس؟!

“ستفقد ذاكرتك بعض الوقت”

رباه!! تذكرت على التو تلك العبارة..

“ستبدو لك الأمور مشوّشة، وسيرتبك عقلك تماما؛ لأنه لم يمر بما ينبغي أن يمر به، ولكن لا تقلق..”

أذكر العبارة، ولا أذكر مطلقا قائلها!

ولا لماذا قيلت..

ولا متى..

توقفت فجأة، وخفق قلبي في قوة، وأنا أحدق في نقطة ما، على مرمى البصر..

بقعة ضوء صغيرة..

مصدر ضوئي يتحرك، على مسافة لا يمكنني تقديرها بالضبط..

ولكنه يحمل لمحة الأمل، التي كنت في أمسّ الحاجة إليها..

ولست أدري ما إذا كنت واهما، أم إنها بالفعل حقيقة..

ذلك المصدر الضوئي توقف..

إنها سيارة ولا شك..

هذا يعني أنني بالقرب من طريق رسمي..

أو أن أحدهم يبحث عني..

وفي كل الأحوال، فقد سارعت الخطى، حتى يمكنني الوصول إلى حيث ذلك المصدر الضوئي، قبل أن يبتعد..

“لو صحّت تجربتك، لن تكفي جائزة نوبل لتقدير عملك”.

“أو ربما لن تكفي عقوبة الإعدام؛ لتجاوزي كل القوانين الطبية العالمية”.

“لا يمكن أن يعاقبوا عالما فذا، على كشف مذهل كهذا”.

“الخلاف بين العلم والقانون، خلاف تاريخي يا زميلي العزيز”.

“ولكن تجربتك هذه مذهلة.. مذهلة بحق”.

مرة أخرى، أستعيد الذكريات الخاصة بتلك التجربة، التي أجهل ماهيتها! وهذا ربما يعني أنها ترتبط بي، على نحو أو آخر..

زدت من سرعة خطواتي، محاولا بلوغ بقعة الضوء، قبل أن تفارق مكانها، وشعرت بقليل من الارتياح؛ عندما أدركت أنني أقترب منها..

وأنها ثابتة في موقعها..

بدأت ساقاي تشعران بالتعب والضعف، وأصبحت سيطرتي على اتزاني تحتاج إلى بذل جهد خرافي، وعيناي ترهقهما الرؤية إلى حد كبير، إلا أنني استنفرت كل إراداتي؛ للوصول إلى بقعة الضوء، التي راحت تقترب..

وتقترب..

وتقترب..

وفجأة، قفزت إلى ذهني فكرة، جعلتني أتوقف دفعة واحدة، وأنا ألهث، من فرط الانفعال والإرهاق، وحدقت في تلك البقعة المضيئة جيدا..

لقد كنت على حق..

لست وحدي من أسعى إليها..

هي أيضا تتجه نحوي مباشرة..

وبسرعة تفوق سرعتي..

ومع اقترابها، اتضحت معالمها أكثر..

لم تكن بقعة ضوء واحدة، بل بقعتين، تسيران معا، وتفصلهما مسافة قصيرة..

إنهما مصباحا سيارة تقترب..

خفق قلبي في قوة، وأنا أتابع اقترابها، ورحت ألهث أكثر، مع تصاعد انفعالي الشديد..

هناك شخص ما يبحث عني بالفعل..

ويعلم أين أنا..

و…

“من أنا؟!”

يا إلهي! أذكر جيدا أنني قد طرحت السؤال على أولئك الرجال، في حجرة العمليات، التي لست أدري لماذا وضعوني فيها!!

والعجيب أنني لست أذكر جوابهم مطلقا!!

أو أنني لم أتلقّ منهم أية إجابة..

إذن فأنا لا أعاني فقدان الذاكرة، منذ استعدت وعيي فحسب..

لقد فقدتها من قبل هذا!

فقدتها، عندما كنت هناك..

على مائدة العمليات الجراحية..

فجأة، وعند هذه النقطة، انتابني فزع بلا حدود..

إنهم يبحثون عني، ربما لأنني هارب من شيء ما..

أو لأنني مصاب بشيء ما..

وربما بجنون ما..

تلك الفكرة الأخيرة، قضت على ما تبقى من جهدي، فجلست القرفصاء، ودفنت وجهي بين كفي، ورحت أنتحب بلا دموع..

ثم غمر ذلك الضوء الساطع وجهي، فرفعت كفي عنه، وحدقت في تلك السيارة، التي توقفت على قيد أمتار مني، وفتحت أبوابها، وهبط منها ثلاثة رجال في البداية لم أتبين ملامحهم جيدا، حتى اقتربوا مني، وقال أحدهم في ارتياح:

- إذن فقد استعدت ذاكرتك.

حدّقت في ثلاثتهم، وذاكرتي تنتعش فجأة..

إنني أعرفهم جيدا.. المساعد الطبي مصطفى، والدكتور مندور، والدكتور حسني، و..

ولكن هذا مستحيل!

لا يمكن أن يكون الثالث هو الدكتور حسني!!

لأنني أنا الدكتور حسني..

صرخت محاولا النهوض:

- من أنت؟!

اقترب مني ثلاثتهم، ومال ذلك الذي ينتحل شخصيتي نحوي، وهو يقول مشفقا:

- أنا الدكتور حسني.. أنا أصلك.

أصلي؟! انتفضت كل ذرة في كياني، مع سماع إجابته، خاصة أنني قد استعدت ذاكرتي كاملة دفعة واحدة..

ليست ذاكرة الخلايا الأولية، التي تعود إلى الدكتور حسني، الذي صنعوني كنسخة منه، ولكن ذاكرتي أنا، بعد شعوري بالوعي، عندما اكتمل تكويني المعملي..

أسلوب النمو الفائق، الذي استخدموه لإنعاش خلايا حسني، واستنساخي كنسخة ناضجة، طبق الأصل منه، في زمن قصير، جعلني أنهض متصورا أنني هو، حتى إنني ارتديت بعض ملابسه، التي يتركها احتياطيا في المعمل، وأخذت مفاتيح سيارته، وقدت السيارة إلى منزله..

ولكنهم أطبقوا عليّ هناك، وأعادوني إلى المعمل، وأجروا لي جراحة صغيرة، لست أدري سببها بالضبط..

وعندما أفقت، هربت مرة أخرى، و..

فقدت الذاكرة..

“خلاياك تنهار”

قالها أصلي في أسى، وهو يتطلع إليّ مشفقا، قبل أن يُضيف في ألم:

- يبدو أن الطبيعة ترفض ما نفعله، وليس القانون وحده.. صحيح أنك نسخة طبق الأصل مني، ولكن تأثير النمو الفائق مؤقت مع الأسف.. خلاياك ستنهار كلها، حتى يذوب جسدك، كما لو كان قطعة من الثلج تركت في طقس ساخن..

أدركت عندئذ لماذا عجزت عن النهوض..

لقد بدأ جسدي يذوب بالفعل..

ولم تعد هناك فائدة من استعادة ذكرياتي..

أو حتى ذكريات الدكتور حسني

فذاكرتي مثل جسدي..

ستذوب..

بدأت الرؤيا تتشوش أمامي، إلا أنها لم تمنعني من رؤية الرجال الثلاثة، وهم يتطلعون إليّ بكل الأسف والألم والندم، وأنا أذوب أمامهم، تماما كما وصف الدكتور حسني الأصلي الأمر..

كقطعة ثلج في طقس دافئ..

وآخر ما حملته ذاكرتي، هو صوت الدكتور حسني، وهو يغمغم:

- أنا آسف.. اغفر لي.

ثم ذاب كل شيء..

تماما.
روايات مصريـة
نشر في 20 آذار 2017
QR Code
تابع
متابع
تابع
متابع
تابع
متابع
تابع
متابع
تابع
متابع
تابع
متابع
تابع
متابع