Facebook Pixel
ريان يا فجل
747 مشاهدة
0
0
Whatsapp
Facebook Share

رفع صبري عينيه، يتطلع في دهشة إلى ذلك الرجل ، الذي أطلق الصيحة باللغة العربية ، في قلب نيويورك ، وخيِّل إليه لحظات إليه أنه يشاهد وجهاً أمريكياً

" صبري !! غير معقول .. "
رفع صبري عينيه ، يتطلع في دهشة إلى ذلك الرجل ، الذي أطلق الصيحة باللغة العربية ، في قلب نيويورك ، وخيِّل إليه لحظات إليه أنه يشاهد وجهاً أمريكيًا ، بذلك الشعر الأسود الناعم ، والعينين الزرقاويّن ، والقامة الفارهة ، ثم لم يلبث أن استوعب الوجه وصاحبه ، وهتف بدوره :
ـ فوزي .. يا لها من مصادفة !
اندفعا يتصافحان في حرارة ، وسط الشارع المزدحم ، وانطلق نفير السيارات الغاضبة ، فجذبه (فوزي) إلى الإفريز المقابل وهو يقول:
ـ عامان كاملان لم أرك فيهما في (مصر) ، ثم نلتقي هنا في (نيويورك) ! .. يا لها من مصادفة بالفعل !.. كيف حالك يا رجل؟
لم يجب (صبري) ، وهو يتطلع إليه ، واكتفى بابتسامة باهتة ، وعقله يسترجع فجأة تلك الذكريات ، التي لم تفارق ذهنه قط طوال عامين كاملين ، قضاهما هنا في الغربة ، يجتر الأحزان والنكسات والهزائم ، ويقاتل بيديه وأسنانه ، ليحيّا وسط المجتمع الأمريكي ، في قلب نيويورك ، حيث يحيّا الأمريكيون أنفسهم في معركة طاحنة لا تنتهي ، للحصول على لقمة العيش ..
تذكَّر تلك المسابقة التي كانت بداية كل شيء ..
كان يسعى للحصول على تأشيرة السفر إلى الولايات المتحدة الأمريكية ، عندما قرأ الخبر في صحيفة يومية واسعة الانتشار .. خبر إقامة مسابقة أدبية كبرى ، للأقلام الشابة ، والعقول الجديدة ، مع تأكيد من أحد المسئولين الكبار بالحياد التام في التحكيم ، وفى اختيار الفائزين ..
ومع الخبر نسى السفر والتأشيرة..
بل ونسى أن خريطة العالم تحوي قارة اسمها (أمريكا) ..
كان هذا حلم حياته..
أن يصبح أديباً ..
وبكل الحماس والهمة ، راح يبحث عن فكرة جديدة تصلح كقصة قصيرة ، أو رواية متوسطة ، يضع بها اسمه بين أسماء المتسابقين ، عسى أن يفوز بالجائزة ، ويلمع اسمه في عالم الأدب و ..
ولم يكتمل الحلم..
في الصباح التالي فحسب قرأ خبر آخر ، يقول :إن الأديب الكبير فلاني الفلاني سيشترك في المسابقة الأدبية ..
وامتلأت نفسه بالحنق ، والسخط ، والحقد ، والمرارة ..
لماذا يُقحم الأديب الكبير نفسه في مسابقة كهذه ؟!..
إنه لا يحتاج ، أو لم يعد يحتاج إلى الشهرة والثراء أو إثبات الذات..
لقد بلغ تلك المكانة ، التي تؤهله للفوز بالمسابقة ، اعتمادًا على اسمه وسمعته فحسب .. حتى لو كانت روايته هي: (ريَّان يا فجل)..
إنه سيربح المسابقة حتمًا ..
سيضيع الفرصة عليه ، وعلى أمثاله من الشبان ، الذين يحلمون بدخول عالم الأدب والشهرة ، ولو من الأبواب الخلفية والضيقة ..
ومع حنقه وانفعاله ، أمسك أوراقه وأقلامه ، وراح يكتب قصة قصيرة عن كاتب كبير ، أصر على أن يقف دائماً حجرة عثرة ، في طريق المواهب الشابة الجديدة ..
وكَتَبَ..
وكَتَبَ..
وكَتَبَ..
كل مشاعره نقلها إلى الأوراق .. كل انفعالاته تركها تتدفق عبر قلمه ، حتى فرغ ..
وفى الصباح الثالث ، وصلته موافقة السفارة ، وتأشيرة السفر ، فأرسل قصته بالبريد ، وأنهى إجراءاته ، وقرر أن يترك (مصر) إلى الأبد ..
وبعد أسبوع واحد كان في قلب (نيويورك) ..
وهناك بدأت المتاعب الحقيقية ..
نام طويلاً على الأرصفة..
أكل بقايا الأطعمة..
نخر البرد عظامه كلها عظمة عظمة..
ومرة واحدة تعرض لمحاولة سرقة ، ولكن السارق لم يجد لديه ما يستحق ، فمنحه دولارًا ، وانصرف عنه إلى ضحية أخرى ..
ثم عثر على عمل ..
كان يجمع القمامة من منتصف الليل إلى الصباح التالي ، ثم ينام في مخزن قديم ، من الصباح إلى المساء ، ليبدأ دورة البحث والعمل من جديد ..
وطوال عامين كاملين راح يتنقل من مهنة إلى أخرى أكثر سخافة ، حتى استقر به الحال أخيراً في محطة بنزين كبيرة حيث يعمل ..
كان أجره يكفيه بالكاد ، ولكنه لا يستطيع التخلي عنه ، حتى يجد عملاً أفضل ..
وطوال العامين قطع كل صلة له بـ (مصر) ..
ولم يحاول حتى الاختلاط بالمصريين ..
كان ينسلخ من جلده كله..
من انتمائه ..
من ذكرياته ..
ولكن هاهو ذا (فوزي) صديق الجامعة يظهر فجأة ، ويعيد إليه ذكرياته كلها ..
- "أين أنت الآن ؟"
انتزعه (فوزي) من ذكرياته بالسؤال ، فالتفت إليه بنفس النظرة الخاوية ، وهو يجيب
ـ هنا.. أعمل في محطة بنزين..
هتف فوزي :
ـ محطة بنزين ؟!.. من يصدق هذا ؟!.. (صبري علوان) يعمل في محطة بنزين ؟!.. يا لسخرية القدر !
قال في عصبية :
أية سخرية؟.. أنت تعلم أن مؤهلنا غير مطلوب هنا ، ولا يمكننا معادلته ، ولم أكن ناجحًا في مصر ، و ..
قاطعه فوزي :
ـ أنت ؟!.. أنت لم تكن ناجحًا ؟!.. كيف يا رجل ؟!.. ألم تطالع صحيفة مصرية واحدة منذ عامين؟
حَّدق (صبري) في وجهه بدهشة ، وقال :
ـ ماذا تعني؟
هتف فوزي :
ـ لقد ظلت الصحف تكتب عنك يومياً ، طوال شهر كامل ، وكل صحفي في مصر يبحث عنك ، والجميع يقولون أنك موهبة خارقة ..
قال ذاهلًا :
ـ أنا ؟.. أنا يبحث عني الجميع؟
زفر (فوزي) في أسف ، وقال :
ـ كان هذا منذ عامين ، أما الآن فلم يعد هناك من يذكرك .. يا للخسارة !.. كانت فرصة عمرك يا (صبري) ..
سأله وهو يكاد يسقط أمامه :
ـ لماذا ؟.. ماذا حدث بالضبط ؟
ضرب (فوزي) كفًا بكف ، وهو يقول :
ـ أتعني أنك حتى لم تعرف !.. يا للعجب !
ثم مال نحوه، مستطردًا في عمق :
ـ لقد فزت يا رجل .. فزت في مسابقة القصة القصيرة ، وفجَّرت قصتك (ريَّان يا فجل) حماس النقاد والكتاب .. فزت حتى على الكاتب الكبير نفسه .
وسقط فك (صبري) السفلى في ذهول .. وهوى قلبه بين قدميه.
إذن فقد أتت الفرصة ..
وذهبت ..
ولأول مرة ، منذ وصل إلى (نيويورك) ، شعر (صبري) بوحدة عجيبة ، وبأن ناطحات السحاب الشهيرة تزداد ارتفاعًا ، وهو يزداد بينها ضآلة وانكماشًا ..
وأخذ (فوزي) يتحدث ، ويتحدث ، ولكن صبري لم يعد يسمعه ..
لقد ابتلعته المدينة المزدحمة .. وسحقته الوحدة ، وهو يصرخ في أعماقه :
- ريَّان .. ريَّان يا فجل .
(تمت بحمد الله)
---------------------------------------
(د. نبيل فاروق ـ كوكتيل 2000 ـ المهمة)
روايات مصريـة
نشر في 05 آذار 2018
QR Code
تابع
متابع
تابع
متابع
تابع
متابع
تابع
متابع