Facebook Pixel
554 مشاهدة
0
0
Whatsapp
Facebook Share

منذ أربعين عاماً كنت أعيش في "موران" في ذلك الوقت وكنت منتسباً في السنة الثانية في كلّية الطبّ فكنت شاباً جامحاً يبحث عن نفسه وعن المعرفة

جاويد خان

##

حدث ذلك منذ أربعين عاماً.. كنت أعيش في "موران" في ذلك الوقت .. وكنت منتسباً في السنة الثانية في كلّية الطبّ.. شابا جامحا يبحث عن نفسه وعن المعرفة..

كان الفصل شتاء،. وكانت الإضطرابات تملأ المدينة.. بدأت الأحداث عندما قتل مرتضى حيدر أمين عام حزب الحق بتفجير سيّارته.. وردّت الميليشيات التابعة لحزبه في اليوم التالي بقتل أمين زركلي، مفتي المدينة، مع زوجته وابنه..

ثم اشتعلت المواجهات في عدة أحياء.. كان أشرسها مواجهات مسلّحة يوم الجمعة في محيط مستشفى الصّفاء، قتل فيها أكثر من ثمانين شخصاً من الجانبين، مما اضطر الحكومة لفرض حظر التجوّل.. وبدأت محاولات حثيثة للوصول لحلّ سياسي..

وبينما كان الخوف والترقّب يملأ النفوس، بدأ تساقط كثيف جداً للمطر مصحوباً بعواصف رعدية شديدة ورياح قارسة البرودة .. كان الوضع سيئا لدرجة أنه تمّ تعطيل الدوائر الحكومية ولم يستطع أحد الخروج من بيته إلّا للضرورة .. قيل لاحقاً أن تلك كانت كما يبدو رسالة من السماء لكي يهدأ الجميع ..

في صباح الجمعة التالية طلعت الشمس .. وخرج الناس لأول مرّة من بيوتهم.. كانوا مرتاحين ومتوجّسين في الوقت نفسه.. كانوا كمن نجى من غضبٍ لا يعرفون كنهه ولا مصدره.. وتزامن ذلك مع إعلان الحكومة إنهاء حظر التجوّل وعودة المؤسسات الحكومية للعمل..

يوم السبت عدنا إلى الجامعة.. كان ذلك أول أيام الفصل الثاني.. وكطلبة في كلّية الطبّ كان لزاماً علينا أن نأخذ عدة مساقات في الكلّيات الإنسانية.. وفي محاضرة مدخل إلى التاريخ الإسلامي ، رأيت جاويد خان لأول مرّة..

دخل إلى القاعة بهدوء وتواضع.. ولولا أنه وقف وبدأ بالتعريف عن نفسه، فلم نكن لنميز أنه هو المحاضر.. بدا وكأنه واحدٌ منا.. كان شابّاً باكستانياً في منتصف الثلاثينات من عمره .. عرّف عن نفسه بعربية سليمة باسم جاويد خان ولم يستخدم لفظ "دكتور".. باكستاني يحمل الجنسية البريطانية وشهادة الدكتوراه من جامعة بيرمنغهام في الدراسات الإسلامية.. وأنه هنا في برنامج للتبادل الأكاديمي لمدة ستة أشهر..

ثم أضاف مازحاً أنه وصل المدينة منذ عشرة أيام مع زوجته وطفلته.. وأن هدفه الأساسي من الإشتراك في برنامج التبادل الأكاديمي هذا كان رؤية العالم العربي والشرق عن قرب.. لكن بعد ما رَآه في أيامه الأولى ، فإن هدفه الآن ربّما يتلخص فقط في أَن يبقى رأسه بين كتفيه..
بعد ضحكات خفيفة تجاوباً مع دعابته السوداء، نزع معطفه الأسود الطويل وذهب إلى السبّورة وكتب عليها بخط عربي واضح.. "حمزة بن عبد المطّلب".. ثم إستدار وبدأ في الكلام..

حكى لنا في البداية، قصة عن أستاذه في جامعة بيرمنغهام وأحد أفضل أصدقائه.. كولومبي في أواخر الستين من العمر يدعى سيزار رودريجيز .. يعمل كمحاضر لمادة الكيمياء الحيوية منذ ثلاثين عاماً وكان أستاذه في مرحلة البكالوريوس..

أخبرنا جاويد أن رودريجيز هذا ، بدأ عندما أصبح جاويد أستاذا في الجامعة بسؤاله عن الإسلام ومناقشة بعض الأفكار الإيمانية معه.. وبعد سلسلة طويلة من المناقشات، كانت فرحة جاويد عارمة عندما قرر رودريجيز اعتناق الإسلام.. وبدأ فعلاً في الصلاة والصيام وامتنع عن الخمر والخنزير والنساء وحوّل حياته لحياة شخص مسلم..

ثم حدث بعد أن انتظم رودريجيز في حياته الجديدة كمسلم.. أن أهداه جاويد بعض الكتب الإسلامية التي تضمنت الأحاديث النبوية وبغض الكتب عن تاريخ الإسلام والفتوحات وما إلى ذلك.. وهنا كانت المفاجأة لجاويد.. قال له رودريجيز أنه يشكر اهتمامه وكرمه ، ويُقدَّر هذه الكتب كثيراً.. لكن حياته لم يتبق فيها الكثير.. ولا يريد الآن سوى قراءة القرآن الكريم فقط.. لأنه يعتقد أن هذا الكتاب يحتاج إلى عشر سنوات على الأقل لقرائته وفهمه..

ثم استطرد جاويد فقال أنه بعد عامين من ذلك الحوار، أصيب رودريجيز بحمّى شديدة أقعدته الفراش ومات على إثرها.. ولم يكن قد ذهب للحج كما كان يخطط ولم يصل في القرآن إلا لسورة النساء التي فتنته..

بعد قشعريرة بسيطة ودعوات بالرحمة لأخينا الكولومبي الذي لم نعرفه، سألنا جاويد إن كنا نعرف شخصاً مسلماً له قصة مشابهة لرودريجز.. أسلم وطبق أركان الإسلام وقرأ القرآن وصلى وتصدق لكنه يجهل كل شيء عن تاريخ الإسلام.. ولا يعرف الخليفة أبا بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي ولا الصحيحين ولا فتوحات الإسلام ولا أي شيء من هذا القبيل.. وقبل أن يجيب أحدٌ منا، أشار إلى السبّورة نحو ما كتب سابقاً "حمزة بن عبد المطّلب"..

وبعد فترة قصيرة من الدهشة.. باغتنا جاويد بسؤال آخر وقال.. "هل تعتقدون أن أياً من هذين الرجلين.. حمزة - سيّد الشهداء - ورودريجز .. إسلامه ناقص مثلاً؟"

لم يجب أي منا على السؤال.. كانت الإجابة الصحيحة هي النفي.. لكننا كنا في حالة صدمة وكأن على رؤوسنا الطير.. وخيّم صمت كامل على القاعة.. قطعه جاويد بقراءة القرآن بصوت رخيم وخاشع فقرأ.. "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا"..

ثم أكمل بصوت جهوري وحازم "وهذا هو بالضبط محور مساقنا لهذا العام.. الإسلام اكتمل بعد حجة الوداع.. أي شيء حدث بعد وفاة الرسول (ص) لا يمكن نسبه للإسلام.. يمكن نسبه للتاريخ.. للحضارة.. لمسيرة الجنس البشري.. لأي مفهوم معرفي آخر.. لكن ليس للإسلام.. الإسلام اكتمل وانتهى كدين بعد حجة الوداع..

وعليه... فإنني وبكل ثقة أقول أن التسنن والتشيع وبقية فرق الإسلام لا يمكن بأي حال من الأحوال اعتبار وجودها وكينونتها جزءا من الدين الإسلامي.. هي موجودة فعلاً لكنها موجودة خارج سياق الإسلام.. متعلقات حضارية بِه.. لكن ليست جزءا منه.. أي أن المرء يمكن أن يكون مسلماً مكتمل الإسلام دون أن يكون سنّياً أو شيعياً أر صوفياً أو غير ذلك.. مسلم فقط.."
بعد كمّ من الإستغفارات والتململ والهمهمات.. استدرك جاويد خان فقال أنه يعرف أنه كلامه قد يكون صادماً للبعض.. ومنافياً لاعتقادات البعض الآخر وربّما توقيت الكلام له تأثير.. لكنه لم يأتِ هنا ليتفق مع الجميع.. ولا ليفرض رؤيته عليهم.. بل جاء ليطرح ما لديه ونتناقش جميعاً سعياً وراء الحقيقة..

تحدث بعدها جاويد عن محتويات المساق بشكل مختصر، وقال أننا سندرس ما يسميه هو "تاريخ العرب بعد الإسلام" وليس تاريخ الإسلام أو التاريخ الإسلامي كما هو شائع، لأنه سبق وأَسلف أن الإسلام كمشروع ودين اكتمل وانتهى بوفاة النبي عليه السلام..

وهنا أشار جاويد أن من أحد أكبر أخطاء المؤرخين كانت في ربط التمدد الحضاري للدولة العربية الناشئة بالإسلام نفسه.. بحيث أن المسلم العادي لم يعد يميز بين الدولة القومية أو ما فوق القومية التي قادها العرب وبين الدين الذي يعتنقه أفرادها.. بحيث أنه أصبح يعتبر فترات ضعف ما يسمّى بالأمة الإسلامية كفترات ضعف للإسلام نفسه وتدين الناس.. وهذا ربط خاطىء وخطر ..

كما أن من أسوأ آثار هذا الربط, أن التدين الجمعي في عقل المسلم أصبح أهم من التدين الفردي الذي هو أسّ رسالة محمد.. ولا أدل على ذلك أن المسلم العادي اليوم يفرح كثيراً بدخول عشرة فلبينيين لا يعرفهم للإسلام ولا يحزن على أن صلاة العشاء فاتته هو شخصياً.. وهو تناقض صارخ ومرير لكن مبرّر ومنطقي في ظل هذا الخلط..

مع نهاية المحاضرة كان ذلك الشاب الباكستاني البسيط قد أثار الكثير من الأسئلة والإعجاب في داخلنا.. وبدا أن هذا المساق يعد بالكثير.. لكن بدا واضحاً أيضاً أنه أثار الكثير من السخط لدى البعض.. فبمجرد فتح باب الأسئلة قام أحد الساخطين وسأل جاويد بلهجة تقريرية حادة.. عن تعريفه للسنة والشيعة إن كان يعتقد أنهما ليسا من الدين..

بابتسامة هادئة رد جاويد أنه كمسلم غير عربي، يعتقد أنها خلافات سياسية عربية عربية تمايزت دينياً لكسب الأتباع.. وأنها لا تعنيه حقيقة.. ببساطة لأن هذه الخلافات لا تحلّ إلا بإخراج أطرافها من قبورهم وهذا مستحيل.. ولتقريب مفهومه, قال أن هذا يشبه أن يكون النبي باكستانيا ثم يضطر العرب لمعاداة بعضهم لأن صحابيا من البشتون اختلف مع صحابيا من البنجاب..

وعليه، فالواجب كما قال هو ليس السعي نحو التسامح لأنه في حقيقته تكريس للإختلاف.. بل تجريم التحزُّب أصلاً.. والتركيز بشكل أكبر على التدين الفردي الذي نزلت به رسالة محمد دون النظر لما حدث من خلافات بعد ذلك.. وأنه ما لم يتم إعادة تعريف الأشياء كما يجب أن تكون، والتركيز على رسالة الدين الأخلاقية , فسيستمر العرب في طحن أنفسهم فكرياً ومواردياً في هذا الإختلاف العقيم.. وهذا لا يشكل فقط راحة لأي قوى استبدادية أو استعمارية.. بل ويهدد مستقبل المنطقة ، بما هو أكبر من احتقانات طائفية ، بل بحرب شاملة تأكل الأخضر واليابس.. وقودها شباب مسلم لا يمانع أن يرتكب جريمة القتل دفاعا عن ما يعتقد أنه الإسلام أو بدقة أكبر المفهوم المشوه للأمة الإسلامية.. وقال أن هذا هو محور كتابه الذي يعمل عليه ويأمل أن ينتهي منه قريباً.. وهو بعنوان " الإسلام بعيون غيرعربية "..

خرجت من محاضرة جاويد وأنا منتشٍ ومتخم فكرياً بكل ما قال الرجل.. وتمنيت لو أنني عرفته من قبل.. غادرت حرم الجامعة يومها وأنا في قمة السعادة انني سجلت في هذا المساق وقابلت هذا الرجل.. كنت كمن عثر على كنز..

في المساء.. كان الجو رائعاً.. كانت السماء ترسل رذاذاً منعشاً مع نسمات باردة خفيفة.. وغيوم ملبدة سوداء أسهمت في رسم حالة من الحزن الجميل .. لذلك قررت استغلال هذه الفرصة وخرجت أنا وزميلي في السكن عبد الحميد للمشي وشراء وجبة عشاء خفيفة..

وصلنا شارع الفارابي .. وهو الشارع التجاري المقابل للجامعة.. حيث يجتمع الطلاب مساء لشراء الطعام والمستلزمات.. كان شارعاً مرصوفاً بالحجارة ولا يسمح للسيارات بالمرور فيه.. يتوسطه صفّان من الأشجار ,وتتوزع على جانبيه المطاعم والمحلات بروّادها وكراسيها المتنوعة..

وبينما كنت أشرح لعبد الحميد عن أستاذنا الجديد وما قاله لنا اليوم.. إذا بي أراه أمامي مع زوجته وابنته الصغيرة.. كانوا جالسين إلى طاولة أحد مطاعم الشواء ينتظرون عشاءهم.. كان يرتدي زياً باكستانياً أبيض ويلاعب ابنته ذات العامين التي كانت تجلس فوق الطاولة .. وعلى الكرسي المقابل له كانت تجلس زوجته, التي كانت بدورها ترتدي زيا أحمر مزركشا .. وتنظر إليهما بحنان..

لوّحت له بيدي فرد السلام وهو مبتسم ابتسامته الواثقة العريضة.. وبينما كنت أقول لعبد الحميد أن هذا هو جاويد خان الذي أخبرته عنه، صمّ أذنيّ أزيز درّاجة نارية مسرعة، تخلله إطلاق كثيف للرصاص.. وكعادتنا في تلك المدينة المجنونة، أسرعنا بالإنبطاح على الأرض.. لكنني وبدون وعي، وفي أجزاء من الثانية وجدتني أنهض بسرعة وأنظر نحو الطاولة التي كان عليها جاويد خان.. وكانت الصاعقة التي فطرت قلبي..

كان رأسه المبتسم ممدداً على الطاولة الخشبية غارقاً في الدماء .. وبينما سقطت ابنته من فوق الطاولة مضرجة بدمائها .. كانت زوجته تصرخ بهستيريا مؤلمة وتدور حول نفسها كمجنونة..
احسست وقتها أن الرصاص اخترق قلبي أنا.. ولا أذكر للآن كيف تمكنت من العودة للبيت..

في الصباح التالي لم أستطع الذهاب للجامعة.. كنت كمن قتل وبقي على قيد الحياة.. وكان مجرد تذكر المشهد يصيبني بالغثيان وضيق النفس .. فقررت البقاء في البيت .. أعددت كوبا من القهوة وجلست أستمع للراديو.. في العاشرة صباحاً أصدرت الخارجية البريطانية بياناً حزينا نعت فيه الرجل.. وطالبت رعاياها بالخروج من المدينة.. تبعه بيان للحكومة أعربت فيه عن أسفها الشديد لما حدث وبدء التحقيقات.. بدورها نعت جامعة بيرمنغهام الرجل قائلة أنها خسرت أحد أهم مفكريها الشباب..

عندما عاد عبد الحميد مساء من الجامعة, أخبرني أنه عرف من مصادره أن كلا الطرفين أهدر دم الرجل بالأمس, إنما بشكل شفوي.. لكنه لا يعرف بالضبط من الذي حاز "فضل" قتله واراحة الأمة من شروره.. مع غروب الشمس أصدر حزب الحق، بيانا نفى فيه مسؤوليته عن الحادث، وإن أشار أن الله لا يسامح من يتعدى على آل بيته الكرام باللمز والطعن.. كما تَبَرَّأ حزب الأمة المسلمة من قتل الرجل.. لكنه دعا كافّة الأطراف لعدم إستفزاز المشاعر الدينية لعموم الأمة..

نقل جثمان الرجل وابنته إلى باكستان حيث دفنا هناك.. وتمّ تعيين أستاذ آخر مكان جاويد.. عجوز ستيني بدأ يشرح لنا المساق مستعيناً بتاريخ ابن كثير.. لم أكمل المساق ولم أكمل دراستي في تلك الجامعة أساساً.. غادرت المدينة متوجهاً نحو أوروبا حيث أكملت دراستي هناك.. ثم تخرجت وتزوجت وطوى الزمان جاويد وما قاله , لولا ان ما حدث الأسبوع الماضي قد ذكرني به..

كنت أجلس مع حفيدي أتابع على التلفاز ما يجري في بلدة لا تبعد عن المدينة التي أعيش فيها أكثر من مائتي كيلومتر.. دخل المسلحون إلى البلدة بعد تدمير معظم المساكن , وقتل وتهجير سكانها .. وضعوا الرايات على المساجد.المشوهة بفعل القذائف.. ثم بدأوا في ترديد هتافات طائفية بمنتهى الحماسة..

في زاوية المشهد، كان هنالك جثة رجل محني على طاولة .. نظرت جيداً إليه.. كانت ابتسامته قريبة جداً من ابتسامة جاويد.. ثم أزاح المصور الكاميرا عنه ووجهها نحو فرسان الإسلام الجدد.. كانوا يدوسون جثث أعدائهم ويلعنونها.. ثم يصرخون ويضحكون كبرابرة ..

والدخان كان يملأ الأفق..

#كتابات_ديك_الجن

- البشتون والبنجاب هما عرقين من أصل أربعة أعراق تشكل الشعب الباكستاني..
- موران هي مدينة تخيلية ابتدعها عبد الرحمن منيف..
- الأسماء الواردة غير حقيقية..
كتابات ديك الجن
نشر في 21 شباط 2016
QR Code
تابع
متابع
تابع
متابع
تابع
متابع
تابع
متابع
تابع
متابع
تابع
متابع
تابع
متابع
تابع
متابع