Facebook Pixel
بالمصادفة
126 مشاهدة
0
0
Whatsapp
Facebook Share

هكذا قال (أنور) لنفسه، وهو يعقد رباط عنقه زاهي الألوان في الصباح، أمام تلك المرآة الكبيرة في حجرة نومه، ويطلق من بين شفتيه لحنًا مرحاً يميز فترة ستينات القرن العشرين

يا له من يوم سعيد !
هكذا قال (أنور) لنفسه، وهو يعقد رباط عنقه زاهي الألوان في الصباح، أمام تلك المرآة الكبيرة في حجرة نومه، ويطلق من بين شفتيه لحنًا مرحًا، يميز فترة ستينات القرن العشرين ..
كان شديد الاهتمام بمظهره وأناقته هذا الصباح؛ لأنه سيلتقي اليوم بالمرأة التي وقع في غرامها، منذ نصف العام، أو اقل قليلًا ..
سكرتيرته (هند) ..
صحيح أنه متزوج منذ خمس سنوات، وحياته مع زوجته هادئة مستقرة، على الرغم من أنهما لم ينجبا قط، إلا أنه، ومنذ أول يوم رأى فيه (هند)، عندما التحقت بالعمل في الشركة، وقع في غرامها فورًا ..
كانت من ذلك الطراز المبهر من النساء ..
أنيقة، جميلة، واثقة، ذات شخصية جذابة آسرة ..
عيناها كانتا من ذلك النوع، الذي ما إن تتطلع إليه، حتى تغوص فيه، وتغرق في أعماقه حتى النخاع ..
ولقد تطلع إلى عينيها، في أول يوم دلفت فيه إلى مكتبه ..
ووقع في أسرهما ..
وهو واثق من أنها أدركت هذا، منذ اللحظة الأولى، ورأى بنفسه تلك الابتسامة الخبيثة الواثقة، على طرف شفتيها الجميلين ..
ولكن هذا لم يفت في عضده ..
لقد قرر أنه يبذل كل جهد ممكن لينالها ..
مهما كان الثمن ..
وكرجل، بدا له أن أقصر طريق إلى هذا هو أن يغمرها باهتمامه، وكرمه، وهداياه، في كل مناسبة ممكنة ..
ومن ملفها بالشركة، عرف تاريخ مولدها، وعنوانها، ورقم هاتفها، و ..
"إلى أين؟!"
ألق زوجته السؤال في اهتمام، فانتزعته بعنف من أفكاره، وجعلت جسده كله يرتحف ارتجافة سريعة، قبل ا يلتفت إليها، قائلًا في سرعة وتوتر:
ـ ألم أخبرك أمس ؟!
دست كفيها في جيبي معطفها المنزلي، وهي تتطلع إليه، قائلة:
ـ آه .. اجتماع فرع الشركة في (أسوان).
ربت على رباطة عنقه، والتقط سترته، وهو يقول:
ـ إنه اجتماع مهم جدًا، وسيتحدد فيه مصر الشركة هناك، وحضوري أمر لا بديل عنه.
أومأت برأسها متفهمةـ ومغمغمة:
ـ لقد أخبرتني هذا بالفعل.
تصور أنها ستكتفي بهذا القول، ولكنها استدركت في سرعة:
ـ هل ستسافرون بالقطار أم بالطائرة؟!
أجابها في سرعة أيضًا:
ـ بالطائرة.. نائب مدير الشركة ينتظرني بتذكرتها في المطار.
غمغمت:
ـ نظام جيد ..
غمغم بدوره:
ـ بالتأكيد.
ألقى نظرة حذرة عليها في المرآة، وأدرك من ابتسامتها أنها لا تشك فيما قاله، وعلى الرغم من هذا فقد لمح في ابتسامتها نفسها شيئًا لم يرتح إليه ..
على الإطلاق..
وكن لا ينبغي أن يقلقه هذا ..
لقد أعد لكل شيء عدته بمنتهى الدقة ..
حتى رفاقه في العمل يتصورون أنه سيسافر بالطائرة إلى (أسوان) بالفعل..
(هند) وحدها تعلم أنه سيسافر ليقضى يومه هناك، في (الإسكندرية) ..
هذا لأنها سترافقه في رحلته هذه ..
إنها تنتظره في النادي، وسيلتقطها من هناك، وتحملهما سيارة استأجرها سرًا، إلى (الإسكندرية) مباشرة ..
وبالتحديد إلى المنتزة ..
ومن المؤكد أنها ستكون رحلة من اجمل رحلات حياته كلها ..
يوم كامل، بصحبة اجمل مخلوقة عرفها في حياته ..
(هند) ..
وهو يعلم أنه بهذا يخون زوجته ..
يخونها مع سبق الإصرار والترصد ..
ولكن ماذا في هذا؟!
كل الرجال يفعلونها ..
كل الرجال يسعون لإقامة علاقات مع نساء أخريات، بخلاف زوجاتهم ..
وهو واحد من هؤلاء الرجل ..
لهذا منح الله، من دون النساء، حق الزواج بمثنى، وثلاث، ورُباع ..
وما ملكت أيمانهم أيضًا ..
وهذا ما أقنع به نفسه، وهو يودع زوجته، وينطلق كالطير، في تلك السيارة المستأجرة، ليلتقي بمحبوبته (هند) ..
ويا له من لقاء ..
كانت كالبدر في تمامه ، وهي تجلس إلى جواره، وتمنحه واحدة من ابتساماتها المتانقة الاسحرة، قبل أن ينطلق بها، في طريقهما إلى (المنتزه) في (الإسكندرية) ..
وطوال الطريق، تعانقت أصابع كفيهما، وهي تتحدث بحماسة طوال الوقت..
كان طموحها ضخمًا، إلى حدٍ مدهش ..
ولقد قرر أن يبيع قطعة الأرض، التي ورثها عن والده في (المنيا)، ليحقق لها كل طموحاتها، ويربح قلبها الدافئ، وجمالها الفتان.
سيتاع لها شقة في المهندسين، التي تحلم بها، وتلك السيارة الفاخرة، والحلي، وشاليه الساحل الشمالي، و ...، و ...
ولكن هل ستكفي أرضه لشراء كل هذا؟!
كان الخاطر يزعجه، لذا فقد ألقاه خلف ظهره، وحاول أن ينساه، وهو يسبح في بحر الغرام، واصابعه تعانق كفها في حبٍ ولهفة ..
ومع مدخل (الإسكندرية)، اكتسب الهواء رائحة لطيفة محببة ..
رائحة اليود، والملح ..
والحب ..
وفي ذهنه، راح يضع سيناريو ذلك اليوم، الذي حلم به طويلًا ..
سيزيل حاجز فارق العمر، بين سنه وسنها، وسيلهوان ويمرحان معًا، في حدائق المنتزه، ويتنازلان طعامهما في فندقها الشهي ..
ظل يرتب أحلامه وأمنياته، حتى بلغا المنتزه بالفعل ..
وانطلق معها، كما لم يفعل في حياته كلها ..
لعبًا، ولهوًا، وجريًا، وضحكات لساعاتِ وساعات ..
ولم تكن (هند) أبدًا أجمل مما كانت عليه، في هذا اليوم.
كانت ساحرة ..
إلى أقصى حد..
وفي النهاية، ومع نتصف النهار، أطلقت ضحكة عابثة طويلة، قبل أن تقول:
ـ إنني أموت جوعًا ..
هتف في حماسة:
ـ وأنا أيضًا.
اتجها بالسيارة المستأجرة إلى مطعم فاخر قريب، وبينما هو يوقف السيارة أمامه، أشارت هي في عبث إلى رجل وامرأة، يلهوان مثليهما، بالقرب من المطعم، وقالت في خبث:
ـ يبدو أن الكل يشتعل حبًا هنا.
طبع قبلة على كفها، وهو يغادر السيارة معها، وتشابكت أصابعهما مرة أخرى، وهما يتجهان إلى المطعم، ولكن الرجل والمرأة اندفعا نحوهما، وهما يطلقان ضحكات عابثة عالية، ثم اصطدمت المرأة به فجأة، و ...
وانتفض جسده كله في عنف، وهو يحدق في وجهها، في حين اتسعت عيناها عن آخرهما، في ذعرٍ بلا حدود، وانطلقت من حلقها شهقة رعب ذاهلة، وهي تصرخ:
ـ أنت؟!
وبكل ذهوله وذعره، صرخ:
ـ (كوثر)؟!
وعجزت ساقاه عن حمله من هول المفاجأة، فوجد نفسه يسقط عند قدمي (هند) وأقدام الرجل والمرأة العابثين..
فقد كانت تلك المرأة هي آخر شخص يتوقع رؤيته في (الإسكندرية)..
كانت زوجته، التي تتوقع وجوده هناك ..
في (أسوان) ..

----------------
(د. نبيل فاروق ـ كوكتيل 2000 ـ الجرثومة ـ رقم 33)
روايات مصريـة
نشر في 08 كانون الثاني 2016
QR Code
تابع
متابع
تابع
متابع
تابع
متابع
تابع
متابع
تابع
متابع