Facebook Pixel
كله من هذا الغراب
389 مشاهدة
0
0
Whatsapp
Facebook Share

صدقني يا سيادة وكيل النيابة هذا الغراب وحده هو المسئول، عن كل ما أصابني، وأصاب جارتنا المسكينة خذها مني كلمة كل الغربان نذر شؤم، أنا أؤمن بهذا منذ حداثتي

كله من هذا الغراب..
صدقني يا سيادة وكيل النيابة .. هذا الغراب وحده هو المسئول ،عن كل ما أصابني ، وأصاب جارتنا المسكينة ..
خذها مني كلمة .. كل الغربان نذر شؤم ..
أنا أؤمن بهذا منذ حداثتي ..
أمي علمتني هذا ..
وكذلك أبي ..
ثم إن الدلائل كلها تشير إلى هذا ..
هل تشك فيما أقول ؟
هل تتصور أنني شخص معتوها أو متخلف ؟
حسن .. اسمع القصة من بدايتها ، ثم أصدر حكمك علي ..
لقد واجهنا هذا الغراب اللعين بنعيبه الكئيب ، منذ اللحظة الأولى ، التي انتقلنا فيها للسكنى في هذه الشقة الحديثة ..
كنا نرتب أثاثنا فيها ، عندما سمعت تعيبه للمرة الأولى ، فهتفت في انزعاج :
- يا للهول .. نعيب غراب .. إنها شقة شـؤم .
ضحكت زوجتي المأفـونة ، عندما سمعت من هذا القول ، وربتت على كتفي ، قائلة :
- دعك من هذا يا رجل .. الشقة جميلة ، وتطل على مشهد رائع ، وريحها طيب .. والحقيقة أننا جميعا نحبها .
ولكنني لم أشاركهم فرحتهم الغبية ..
كنت واثـقا بأنه سيحدث أمر رهيب يوما ما ، ما دام هذا الغراب قد استقبلنا بنعيبه ..
وجلست أنتظر هذا الأمر ، حتى اليوم العاشر ، عندما سمعت ابني يصرخ ، فصحت في أمه :
- ماذا أصاب الصغير ؟
أجابتني في قلق :
- يبدو أنه يعاني اضطرابًا معويًا ..
هتفت :
- أرأيت ؟! .. ألم أقل لكم ؟! .. هذا الغراب أتي إلينا بالشؤم .
شهقت زوجتي في ارتياع ، وقالت :
- أي شؤم يا رجل .. معاذ الله .. إنه قليل من المغص المعوي ، وسينتهي بعد قليل بإذن الله .
صرخت فيها ، وسببتها ، ولعنتها ، وأكدت لها للمرة الألف أن نعيب الغراب علامة شؤم ، ولكنها لم تبد اهتمامًا يُذكر ، وحملت الصغير إلى الطبيب ، الذي قلبه يمينًا ويسارًا ، ثم أفتى بأنه يعاني عسر الهضم ، لكثرة ما يتناوله من مياه غازية ، ووصف له عقارًا واحدًا ، لم يكد ذلك الشيطان يتناوله منه ملعقة واحدة ، حتى اختفى الاضطراب المعوي ، وعاد يملأ البيت صياحًا وصراخًا كالعفريت ..
وعندئذ سخرت مني زوجتي اللعينة .
ولكني كنت أعلم أنها واهمة ..
كل ما في الأمر أن الكارثة لم تأتِ بعد ..
والأدهى يا سيادة وكيل النيابة أنني لم أعد أنعم بطعم النوم ، فذلك الغراب الملعون استأجر غصن الشجرة التي تطل عليها شرفة المنزل الرئيسية ، ولا يتوقف عن النعيب ليلًاونهارًا ، حتى أكاد أنهار ..
وفي كل يوم أستيقظ على صوته ..
ويا له من استيقاظ !!
تخيل نفسك تستيقظ كل يوم بصدر منقبض ..
هل يمكن أن يهنأ بالك قط ؟!
لقد فقدت كل إحساس بمتع الحياة ، وأصبحت الدنيا بالنسبة إلي رحلة عذاب ، أترقب خلالها ذلك الحدث الرهيب ، الذي أؤمن بأنه آتٍ لا ريب ..
بل وأنتظره ..
خذ مثلا حادثة السيارة ..
كنتُ عائدًا إلى المنزل ، عندما سمعت فرقعة عجيبة في المحرك ، فأوقفت السيارة على جانب الطريق ، وأسرعت أكشف غطاء المحرك ..
ويا لهول ما رأيت !..
كان المحرك يحترق ..
يحترق يا سيادة وكيل النيابة ..
وبكل ما أملك من سرعة ، انتزعت أسطوانة إطفاء الحريق ، وغمرت المحرك بمسحوقها ، وجلست إلى جواره ألهث ، وأكاد أصاب بنوبة قلبية ، وعندما أخبرت زوجتي السخيفة بهذا ، وأشرت إلى غراب الشؤم ، فوجئت بها تضحك قائلة :
- فلنحمد الله ( سبحانه وتعالى ) إذن .. كان من الممكن أن تحترق السيارة كلها ..
واهمة هي زوجتي .. أليس كذلك ؟
إنها لا تمتلك القدرة على رؤية ما هو أبعد من أنفها ..
ليس لديها بعد النظر ، الذي يمتلكه الحاذقون أمثالي ..
ولكن من يحتمل كل هذا ..
من يحتمل سخافات زوجتي ، ومتاعب الأولاد ، ونعيب الغراب ؟!
لقد أصابني الانهيار..
صدقني ..
لم أعد أحتمل ..
واليوم ، شعرت أنه لا بد أن تكون هناك وسيلة للخلاص ..
وسيطرت الفكرة على عقلي تمامًا ..
وعندما لمحت بندقية الصيد الصغيرة ، التي يمتلكها ابني ، اختمرت الفكرة في رأسي تمامًا ..
وعلى أطراف أصابعي ، أخذت بندقية الصيد ، وحشوتها بطلقة من طلقات ضغط الهواء ، وصوبتها إلى ذلك الغراب القذر ، وهو ينشد وصلة نعيبه الصباحية ..
وأطلقتها ..
وحدث ما حدث ..
لقد نجــا ذلك الغراب الملعون ، وتجاوزته الطلقة لتصيب رأس جارتنا المسكينة ..
أرأيت يا سيادة وكيل النيابة ..
ها هي ذي الكارثة ، التي كنت أنتظرها ..
ألم أقل لك ؟..
لقد كنت على حق منذ البداية ..
هذا الغراب نذير شؤم ، و ..
ولكن ..
لماذا تنظر إلي بهذه النظرة ، وكأنني مجنون أو متعوه ؟!
ألا تؤمن بشؤم الغربان ؟!

________________
(د. نبيل فاروق ـ كوكتيل 2000 ـ البُعد الخامس ـ رقم 18)
روايات مصريـة
نشر في 07 آذار 2017
QR Code
تابع
متابع
تابع
متابع
تابع
متابع
تابع
متابع
تابع
متابع