Facebook Pixel
لكل مشكلة حل
45 مشاهدة
0
0
Whatsapp
Facebook Share

في كل مجلة، أو جريدة هناك باب (لكل مشكلة حل)، كما أنه يمثل موضوعاً لبرامج تلفزيونية وإذاعية ناجحة، وتطورت هذه البرامج إلى البرامج الحالية التي تعرض الآن

في كل مجلة، أو جريدة هناك باب (لكل مشكلة حل)، كما أنه يمثل موضوعاً لبرامج تلفزيونية وإذاعية ناجحة، في شبابي كان هناك ركن «اعترفوا لي» الشهير الذي يحرره د. مصطفى محمود، وأشهد أن أسلوب الرجل الأدبي الجميل وحكمته جعلا هذا الباب فائق الإمتاع.

مع الوقت صار هناك باب مماثل في كل مجلة، وانتشرت عبارة (المعذبة س. ك) أو (المعذب ر. ج). كان هناك باب ناجح جداً في جريدة شهيرة، وكان معظم الناس يبتاعونها من أجل هذا الباب. ربات البيوت لم يكن يقرأن سوى هذا الباب..
عندما يأتي المساء يعددن لأنفسهن كوباً من الشاي ويقلين لب البطيخ، ثم يجلسن يقزقزن اللب، ويطالعن المشكلة بعيون متسعة.. شعور لذيذ بالتلصص كأن نافذة فتحت على بيت الجيران تكشف كل شيء.. «يا لهوي.. اتجوز على مراته.. يا خرابي. الولد رفض الزواج من البنت... قطيعة.. المدرس عنده خمسين سنة وبيحب
تلميذته»..

ثم في الأيام التالية يحكين المشكلة لكل من يعرفنه عشرين مرة..

عندما انخرطت في عالم الكتابة، وجدت أن كل الصحفيين يعرفون حقيقة هذا الركن، باعتبارها من حقائق الحياة المملة. كل المشاكل مزيفة أو - بلغتهم - مضروبة، ومحرر الباب الشهير يعتمد على خمسة كتاب قصة قصيرة يمدّونه بمشكلة الأسبوع، خطر لي هذا من قبل عندما لاحظت أن كل المشاكل غريبة ومعقدة جداً.

المشكلة الأخرى هي من يردون على مشاكل القراء - بفرض أنهم لم يؤلفوا المشكلة أصلاً - ففي إحدى المجلات اكتشفت أن من يحل مشاكل الناس قد فشل في زواجه خمس مرات، وهو منهمك في تطليق زوجته الحالية.

ابنة واحد من هؤلاء الحكماء قالت لي إنها لم تر أباها منذ عشرين سنة لأنه أهمل بيته وأسرته، فإذا جلس ليحل مشاكل الناس اكتسب حكمة القرون، وراح يتكلم عن مشكلة تفسخ العلاقات الأسرية:
- «الأسرة!.. كل المشاكل تبدأ من الأسرة لأنها نواة المجتمع.. لو تذكرنا هذا جميعاً فلسوف يصير وطننا أروع..».

في مجلة أخرى اكتشفت أن من يرد على مشاكل القراء عمره عشرون عاماً، وبرغم هذا يتكلم في خبرة وتعب كأنه رأى كل شيء واختزن الحكمة المقطرة، هناك فتاة تعسة نحيلة في الخامسة والعشرين من العمر ترد في أحد المواقع وتقول: علمتني الحياة كذا وكذا..

أما عن تناقض الردود فشيء معروف.. أرسل مشكلتك باسم عباس السمنودي، وقل إنك تريد الزواج من بائعة محشي الباذنجان التي تقف في أول شارعكم، ولسوف يرد محرر الباب قائلاً:
- «عزيزي المعذب ع. س. التكافؤ الاجتماعي والثقافي مهم جداً.. هذه زيجة خلقت لتفشل خاصة أنك لا تعرف أهلها. دعك من انك قد لا تكون مولعاً بمحشي الباذنجان أصلاً، وهكذا لا توجد أرضية من الميول المشتركة بينكما».

أرسل المشكلة باسم فهيم مراد، نفس المشكلة لكن بعد فترة وبخط مختلف، ولسوف يرد محرر الباب:
- «عزيزي المعذب ف. م.. الحب أهم شيء وهو قادر على تحقيق المعجزات وتذويب الفوارق الطبقية.. لا تهتم بكلام الناس فهذه المرأة اختيارك أنت، دعك من أن محشي الباذنجان شيء رائع.. ستكون حياتك نعيماً متصلاً..».

لا أعرف ما سيحدث لو أرسلت بائعة محشي الباذنجان مشكلتها للمحرر، لكن لحسن حظها أنها لا تتابع هذا الكلام..

كان هناك برنامج تلفزيوني مخصص لعرض مشاكل المشاهدين.. ترسل مشكلتك، فيقومون بتحويلها لسيناريو مع ممثلين ومخرج. قابلت أحد الشباب من كتاب السيناريو الذين لم يفتح عليهم الله بعمل واحد.

قال لي الشاب، إنه أرسل للبرنامج عدة خطابات من طراز (المعذبة و. ك) و(المعذب س. ن).. وهو يتمنى أن تروق بعض هذه الخطابات لمعدي البرنامج، وهكذا يحقق حلمه في أن يرى تمثيلية كاملة من تأليفه. المشكلة التي حكاها لي تدور حول موظفة تكتشف سرقة في المصرف الذي تعمل فيه، ثم تتم مطاردة بوليسية مثيرة تتمكن فيها وحدها من ضرب ثلاثة لصوص، وتقع في حب الضابط الذي قبض على العصابة، ثم تكتشف أنه جاسوس يعبث بها.

هذه هي المشكلة التي أرسلها للبرنامج. لا أعرف لماذا لا تبدو لي مقنعة جداً.
لكني متأكد من أنهم سوف يقدمونها بالتأكيد، وسوف تجلس ربات البيوت يمصمصن بشفاههن تأثراً وهن يقزقزن اللب، مرددات: «يا ضنايا!... الضابط ضحك عليها.. طلع جاسوس...!» ثم يأتي خبير قانوني هو ضيف الحلقة ليقدم حلاً للمعذبة س. ن هذه.
قلت لك إنني أعرف هذه البرامج.
روايات مصريـة
نشر في 30 آب 2019
QR Code
تابع
متابع
تابع
متابع
تابع
متابع
تابع
متابع
تابع
متابع
تابع
متابع