Facebook Pixel
تأمل في رمي الجمرات
83 مشاهدة
0
0
Whatsapp
Facebook Share

سترجم غضبك فيما لا يستحق الغضب، وبرودك على ما يستحق الإنفجار والثورة سترجم سذاجتك جهلك وتصورك أنك الأعلم دون علم سترجم شعورك بالنقص تجاههم، وتجاه كل ما ينتجون ولو كان السم الزعاف

أول ما ستفعله عند وصولك منى قادما من مزدلفة، صبيحة يوم العيد، هو أن تقوم برمي الجمرات، في جمرة العقبة..
اليوم يوم عيد، لكنك ستذهب لرمي الحصى!
لا تزال على خطى إبراهيم.. لا تزال تتلمسه في دربك..
إنَّ إِبْرَاهِيمَ لَمَّا أُمِرَ بِالْمَنَاسِكِ عَرَضَ لَهُ الشَّيْطَانُ عِنْدَ الْمَسْعَى فَسَابَقَهُ فَسَبَقَهُ إِبْرَاهِيمُ ثُمَّ ذَهَبَ بِهِ جِبْرِيلُ إِلَى جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ فَعَرَضَ لَهُ شَيْطَانٌ - قَالَ يُونُسُ الشَّيْطَانُ - فَرَمَاهُ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ حَتَّى ذَهَبَ..
يعتقد الشيطان أن محاولته القديمة مع آدم تنجح دوما... وهي تنجح فعلا في الكثير من الأحيان كما نعرف من التاريخ الشخص والتاريخ العالمي..
لكننا نستحضر اليوم، في يوم العيد، ليس أبانا الذي غرر به، بل نستحضر أبانا الذي انتصر..في العيد نحن أولاد إبراهيم الذي لم يتمكن إبليس من غوايته، في العيد نعيد درب إبراهيم.. لا درب خروج آدم من الجنة..
في صبيحة العيد، وبعد أن خرجت أقوى وأعرف من عرفات، بعد أن جددت شهادتك هناك، تستعيد إبراهيم الذي..
(وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ) فأدى ذلك إلى...
(قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا) البقرة 124
يريدك إبليس أن تكون مثل
وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آَدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا طه(115)
ثمة خيار، ثمة مفترق طرق في كل خطوة نخطوها في حياتنا..
بعد مزدلفة، أنت أمام هذا الخيار مجددا، أن تخطئ خطأ آدم، وتضعف أمام الشيطان.. أو أن تتم كلمات إبراهيم..
أمام الجمرة ـ وأنت ترمي الحصى، يفترض أن تكون قد حسمت الأمر والقرار مع ذاتك..
ليس مجرد حصى ترميها..
بل قرار اتخذته، إعلان واضح للحرب على الشيطان، تعلنه وأنت مسؤول عن نتائجه..
***************************
ها أنت ترمي الشيطان، ترجمه بالحصى التي في يدك..
وأنت تعرف أن هذا الشيطان يجري منك، من كل ابن لآدم مجرى الدم..
تعرف إذن أنك إنما ترجم جزءا منك..
نعم، الشيطان يجري منك مجري الدم..الشيطان جزء منك، لا يمكن للشيطان أن ينتصر عليك، أن يخدعك إلا بمداخل هي جزء منك..
لا يمكن أن يدخلك إلا من خلال ثغرات معينة.. ربما هي جزء من طبيعتك البشرية، ربما يمكن أن تكون مصدرا للقوة لو أحصنت، لكنها ستكون مداخلا للشيطان، وبالتالي لمهالكك، لو تركتها دون تحصين..
كل حكايات هزيمتنا أمام إبليس بدأت بباب مفتوح، بثغرة لم تحصن جيدا، بسد لم يحسن بناءه..
تسلل إلى آدم بثغرة الرغبة في الرقي..
(أن تكونا ملكين) الأعراف 20
أو الرغبة في الخلود..
(أو تكونا من الخالدين) الأعراف 20
أو ثغرة الرغبة في التملك
(هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى) طه 20
ويتسلل إلينا دوما بثغرات مماثلة..
كم تسفح قيما باسم الرغبة في التقدم والرقي والتطور..كم خدعتنا شعارات كهذه وجعلتنا نسقط في مهالك وفي درك أدنى من درك..
إنه الفخ الإبليسي ذاته، بأغلفة جديدة ومتنوعة..
في كل مرة ينتصر إبليس علينا، يكون قد دخل من واحدة من هذه الثغرات..
وكلها ثغرات يمكن أن تكون مصدرا للقوة والنصر، يمكن لرغبتك في التقدم والرقي أن تقودك إلى الاقتراب من ذاتك أكثر، فالملائكة ليسوا بالضرورة أرقى من آدم وهم الذين سجدوا له، كذلك أي رقي وتقدم يجب أن يرتبط باقترابك أكثر من ذاتك..
رغبتك في الخلود يمكن أن تقودك إلى ترك بصمة تبقى بعدك..إلى مغادرتك للعالم –عند وفاتك- وهو أفضل مما كان يوم جئته...
رغبتك في الملك الذي لا يبلى يمكن أن تقودك –عندما توظفها على نحو صحيح- إلى الباقيات الصالحات، العمل الصالح الذي يستمر في نفعه للمجتمع حتى بعد رحيلك، أي إلى العمل المؤسسي الذي يبقى بعد زوال الأفراد..والذي سيؤدي إلى الحصول على أجر أخروي لا يبلى..
كل مداخل الشيطان يمكن أن تسد فتصير معابرا إلى النسخة الأفضل منك..لن يكون ذلك دائما أو كاملا حتما..لكن هذا جزء من طبيعة الحياة..طبيعة المهمة التي أوكلت لنا فيها..
معركتك مع الشيطان هي مواجهة مع ذاتك، مع الشيطان الذي يجري منك مجرى الدم، في كرياتك في نخاعك في أعصابك..
المعركة أحيانا تكون مواجهة ضارية..حرب طاحنة..
لكنها في أغلب الأحيان تكون مثل حرب استنزاف مستمرة على وتيرة واحدة..وهذا جزء من استراتيجية العدو..أن يجعلك تشعر أن الأمور اعتيادية وروتينية، فتخف دفاعاتك هنا وتفتر هناك، ثم يباغتك بضربة تطرحك أرضا..
نعم.ويمكن أيضا لحرب الاستنزاف هذه أن تكون جزءا من استراتيجيتك أنت، أن تكون بمثابة تدريب مستمر على المواجهة من أجل أداء أفضل في كل خطوة..
المواجهة مستمرة في أشكال مختلفة.قد تخسر معركة. وقد تربح في أخرى..قد يخيل لك أنك هزمت تماما، أو أنك انتصرت تماما، لكنك مخطئ في الحالتين، لا نصر حاسم ولا هزيمة حاسمة إلا في الجولة الأخيرة التي لن تعرف أنها أخيرة لأنها تسبق موتك..
لا نصر حاسم هناك،..لو اعتقدت ذلك لدخل لك من شعورك الزائف بالأمان..ولا هزيمة حاسمة إلا إذا آمنت أنك هزمت وأنه لا قيام لك..
ليس من "كش مات" في مواجهتك مع الشيطان..
لكن دوما هناك، "كش ملك"...
***********************
ترميه بالحصى الصغيرة في يديك..
ليست "حجارة كبيرة"، بل صغيرة، أكبر من حبة الحمص وأصغر من حبة البندق، ليس فقط لأن الحجم الأكبر قد يؤذي من حولك، ولكن لكي تدرك أن الأثر التراكمي –البطيء ولكن المستمر- هو ما يجدي على المدى البعيد..
الحجر الكبير لا يضر بين الحين والآخر في هذه المواجهة، بل أنه قد ينفع، لكن الأساس هو تلك الحصى الصغيرة..الجمرة التي لا تنطفئ..تبقى تقيد...تنبض بالنار والنور في أعماقها..
الجمرة ! أنت ترمي بالجمرة على الشيطان، الشيطان الذي يجري منك مجرى الدم، ترمي بالجمرات على الحائط أمامك، لكنك تعرف أن مواجهتك الحقيقية، أن ميدان رميك وتصويبك الحقيقي هي في ذاتك، وأنك بينما ترمي الجمرة بيدك بعيدا نحو الحائط، فإنها يجب أن تسقط فيك..مرماك الحقيقي هو في مجرى الدم منك..
ليس ذلك يسيرا قط، كقابض على الجمر، سترمي بالجمر على بعض من ذاتك...
************************
سترجم بالجمرات ضعفك.
سترجم كسلك.
تخاذلك.
سترجم بالجمرات "أناك" التي تمنعك من أن تكون جزءا نافعا من الـ"نحن".
سترجم غضبك فيما لا يستحق الغضب، وبرودك على ما يستحق الإنفجار والثورة..
سترجم سذاجتك..جهلك..وتصورك أنك الأعلم دون علم.
سترجم شعورك بالنقص تجاههم، وتجاه كل ما ينتجون ولو كان السم الزعاف...
سترجم نسيانك.سترجم تناسيك.سترجم نكرانك.سترجم إنكارك.سترجم هروبك المستمر من الحقائق.سترجم دفنك لرأسك في الرمال كي لا ترى الحقيقة..
سترجم عبوديتك لشهواتك..سترجم وجهك الآخر الذي لا يعرفه أحد سوى عالم السر والعلانية..
قائمة رجمك طويلة..ولعلك أنت من يعرفها، أنت من يجب أن يحددها..

#طوفان_محمد
#أحمد_خيري_العمري
د.أحمد خيري العمري
نشر في 11 آب 2019
QR Code
تابع
متابع
تابع
متابع
تابع
متابع
تابع
متابع
تابع
متابع