Facebook Pixel
72 مشاهدة
0
0
Whatsapp
Facebook Share

ميل البشر إلى البحث عن الكمال هو امتداد طبيعي ولكن غير واقعي بالضرورة لبحثهم عن "الأفضل"، والبحث عن الأفضل كان من متطلبات تحقيق المنجزات التي استطاع النوع البشري إحرازها عبر آلاف السنين من سيادته على الأرض

تشتري سيارة جديدة بمواصفات معينة، المواصفات محددة وموضحة في الإعلان، وكما أخبرك مسؤول المبيعات وفي الكتيب الذي أرفق معها، لكنك تعود بعد أيام وتريد أن ترجع السيارة لأنها لا تطابق الكاتالوغ الوهمي الذي في رأسك، والذي لا علاقة له بخطة المصنعين ومواصفاتهم، الكاتالوغ الوهمي يريد من سيارتك ألا تصاب بخدش حتى لو صدمت الحائط الكونكريتي في مرآب البناء الذي تقيم فيه، ويريد أيضًا أن تنبهك ولا ترتطم بسيارة أخرى بينما تكون أنت منشغلًا بهاتفك أثناء القيادة، ويريد من سيارتك أن تفهمك دون أن تقوم أنت بأي حركة... إلخ.
حسب هذا الكاتالوغ، فإن السيارة التي ابتعتها فاشلة ولا تلبي متطلباتك، لكن المشكلة ليست في السيارة أو مواصفاتها بل هي في الكاتالوغ (الوهمي) الذي تحاكمها على أساسه، المشكلة هي في متطلباتك أنت التي افترضت أنها يجب أن تكون موجودة في السيارة كي تنال قبولك.
يرتبط هذا الكاتالوغ الوهمي/ الخيالي بما يعرف بمغالطة النيرفانا Nirvana Fallacy ، والنيرفانا هي مصطلح بوذي يعني حالة السلام الروحي التام والانعتاق الشعوري من كل ما يسبب الألم أو المعاناة، أي فلنقل إنها تقترب مما نسميه نحن (الإحساس بنعيم الجنة)، مغالطة النيرفانا ذكرها أول مرة عالم الاقتصاد هارولد ديميتزHarold Demestz في سياق المقارنة بين حلول اقتصادية "مثالية" غير مطبقة، وبين الحلول التي تقدمها المؤسسات العاملة في الواقع .
قبل ذلك قال فولتير Voltaire: "إن الكامل هو عدو الجيد"، وهذا يعني أن الكامل/ الوهمي الذي لا وجود له، سيكون عدوًّا للجيد الذي يمكن أن يتحقق، وهذه حقيقة مشاهدة، لأن وضع متطلبات مثالية مبالغ بها لمشروع ما، قد يفسد إمكانية تحقيق المشروع ككل.
ميل البشر إلى البحث عن "الكمال" هو امتداد طبيعي (ولكن غير واقعي بالضرورة) لبحثهم عن "الأفضل"، والبحث عن الأفضل كان من متطلبات تحقيق المنجزات التي استطاع النوع البشري إحرازها عبر آلاف السنين من سيادته على الأرض، البحث عن ما هو كامل، ما هو مثالي تمامًا وخالٍ تمامًا من أي خطأ، كان هذا البحث هو الخطوة التالية للبحث عن الأفضل، لكنها كانت خطوة في اتجاه مختلف، خطوة باتجاه "طريق موصد".
الفرق بين ما هو "كامل" وما هو "أفضل" قد لا يكون واضحًا إلا عند التجربة الواقعية التي تميز استحالة تطبيق الكمال وإمكانية وجود حلول واقعية أقل كمالًا، وهذا بدوره يجعل الأمور غير القابلة للتجريب (الأمور المجردة مثلًا، الإيمان، الإلهيات) غير خاضعة للحد الذي يفارق بين "الكامل" و"الأفضل".
لذا فبينما كان البحث عن الكمال خاضعًا لبشرية من يبحثون عنه، فإن عدة موضوعات (غير بشرية) بدت كما لو كانت ملجأً مثاليًّا لإسقاط فكرة الكمال المثالي عليها، تعويضًا عن عدم إمكانية تحقيق الكمال عند البشر، وهكذا فإن مفهوم الإله والأنبياء والرسل والكتب السماوية والأديان عمومًا، لأنها غير بشرية، فإن مفهوم الكمال كان أقرب لها.
هذا جعل كثيرين يفترضون الكمال في هذه المفاهيم، الكمال كما يريدونه هم أو كما يتخيلونه هم، وليس كما حددته هذه المفاهيم. بعبارة أخرى، نشأ عند هؤلاء كاتالوغ مفترض عما يجب أن يكونه الإله أو الأنبياء أو الأديان عمومًا أو حتى بالنسبة للدعاة والمصلحين، المواصفات التي في الكاتالوغ لا علاقة لها بما قاله هذا الإله عن نفسه في الكتب التي أنزلها أو ما قاله الأنبياء.
فعلى الإله مثلًا (حسب كاتالوغ النيرفانا) أن يكون رحيمًا دومًا، ويُسَهِّل لنا كل خطواتنا، ويكون حاضرًا فور أن نطلبه، ولا يعرضنا لعقوبة أو ابتلاء. لماذا؟ لأن هذا هو الكمال حسب تصورهم، هذا هو الإله المثالي كما يتصورونه هم، من أخبرهم أن هذه هي مواصفات الإله المثالي؟ هل اتصلوا بإله مثالي آخر وقال لهم ذلك؟ لا، هو فقط تحيز البشر إلى الكمال المطلق الوهمي تعويضًا لهم عن النقص البشري.
وعلى الأنبياء والرسل أيضًا (حسب نفس الكاتالوغ) أن يكونوا مسالمين دومًا، وأن يتحملوا كل ما يتعرضون له، وألا يحملوا السلاح أبدًا، وألا يعيشوا كما عاش بنو قومهم في زمنهم، بل أن يعيشوا في فقاعة خارج الزمان والمكان، بحيث تبدو تصرفاتهم اليومية مناسبة لعصرنا الحالي.
لماذا؟ لأن هذا ما قاله الكاتالوغ الوهمي، على الأنبياء أن يكونوا هكذا، لأن هذه هي فكرة الكمال (المستحيلة بشريًا، ولكننا نسقطها كما نريد على المفاهيم الدينية كتعويض)، نفس الشيء بالنسبة للدعاة والمصلحين: عليهم أن يكونوا مبتسمين دومًا.. لطفاء دومًا.. واضحين دومًا، يردون على الجميع بلطف حتى لو شتموا، ولا يقومون – مثلًا - بحظر أي شخص (على شبكات التواصل الاجتماعي) مهما فعل.
لماذا؟ لأن هذا ما يقوله كاتالوغ النيرفانا الوهمي في عقول هؤلاء، دون أن يكون للدعاة والمصلحين وقبلهم الأنبياء والرسل أي دخل أو حتى معرفة بهذا الكاتالوغ.
ما يحدث مع نمط تفكير كهذا هو أن الواقعي، أو الذي بُني حسب تصميمه الأصلي الخاص به، سيصطدم عند هؤلاء مع الكاتالوغ الوهمي الذي بنوه في رؤوسهم، وسيقودهم هذا إلى افتراض الخطأ في الواقعي، ورفضه ونقضه جملة وتفصيلًا، لأنه لم يُلبِ متطلبات كاتالوغ الأوهام في رؤوسهم، بالضبط كمن يرجع السيارة التي ابتاعها، لأنه اكتشف أنها لا تطير.
******
أنماط تفكير تقود إلى الإلحاد
من كتاب " ليطمئن عقلي"
د.أحمد خيري العمري
نشر في 08 آب 2019
QR Code
تابع
متابع
تابع
متابع
تابع
متابع
تابع
متابع
تابع
متابع
تابع
متابع
تابع
متابع