Facebook Pixel
قصة القلم
49 مشاهدة
0
0
Whatsapp
Facebook Share

التقط العطار علبة مخملية ووضع فيها قلمه ذا السن المكسور في عناية ورفق وكأنه يضعه في مثواه الأخير ثم وضع العلبة بين كتبه العديدة

التقط العطار علبة مخملية ووضع فيها قلمه ذا السن المكسور في عناية ورفق وكأنه يضعه في مثواه الأخير ثم وضع العلبة بين كتبه العديدة

“وأخيرا، وجد نفسه في موقف شديد الخطورة، وكان عليه أن يتخذ قرارا حاسما، وخلال ثوانٍ خمس فحسب، و..”.

توّقف العطار عند هذه الفقرة، وانعقد حاجباه في شدة، وهو يحاول إيجاد مخرج مبهر، يناسب أحداث قصته، إلا أنه عجز عن هذا ربع ساعة كاملة، فألقى قلمه على كومة الأوراق، وهو يمسك شعره، هاتفا في عصبية شديدة:
– ماذا أصابني؟

دفع منضدته الخشبية، التي اعتاد استخدامها لكتابة رواياته، منذ أكثر من عشرة أعوام، ونهض بكل عصبية، وكل ذرة في كيانه تنتفض غضبا..
إنه لا يدري حقا ماذا أصابه!

لقد بدأ ينشر رواياته منذ سبعة أعوام فقط، بعد كفاح طويل مع الناشرين، الذين رأى بعضهم أن أعماله لا ترقى إلى عالم النشر..
وعندما عثر أخيرا على ناشر يقبل أعماله، شعر أنها بداية انطلاقه في عالم الرواية والأدب..
كانت روايته الأولى بوليسية، ذات طابع اجتماعي، وحقّقت رواجا معقولا، إلا أنها لم تلمع باسمه، كما كان يتوّقع..

ثم جاءت الرواية الثانية بعدها بعام تقريبا، وكان حظها أفضل قليلا من حظ ما سبقتها..
وفي كل عام تقريبا، كان يصدر رواية جديدة..
ومع كل رواية، كان التوزيع يرتفع قليلا..

ولكنه لم يرتفع إلى الحد الذي ينشده كل كاتب روائي..
حتى النقاد تجاهلوا أعماله تماما، وكأنه شبح أو نكرة..
وكم أحنقه هذا، وملأ نفسه غلّا وغضبا..

الأسوأ أنه، في العامين الأخيرين، بدأت مبيعات رواياته تتراجع، على نحو مثير للفزع..
وبدأ الناشر يتعامل معه في شيء من الحدة، ويطالبه بالعودة إلى أسلوبه القديم، الذي يحقق شيئا من الأرباح للدار..

“إنني أحاول..”.
صرخ بهذا في حدة، منتزعا نفسه من سيل أفكاره، وركل المائدة الخشبية مرة أخرى بكل قوته، فتدحرج قلمه المفضّل من فوق الأوراق، وتراجع هو في ذعر، عندما شاهده يسقط من فوق المائدة، ويسقط أرضا، فيتحطم سنه الذهبي على نحو عنيف، وينسكب حبره على الأرضية، على نحو بدا له معه أن قلمه ينزف، قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة..

ولثوانٍ وقف العطار مبهوتا مذعورا، محدّقا في قلمه في يأس بائس..
ولساعة بعدها، حاول عبثا أن يصلح ذلك السن المكسور بلا جدوى..
وأخيرا اعترف لنفسه بالفشل، وبضرورة أن يشتري قلما جديدا..
كان طيلة عمره شخصية نمطية، تتشبّث بكل ما اعتادت عليه، وتأبى أن تغيّر عاداتها، مهما كانت الأسباب..
أو حتى التطوّرات..
فحتى مع ظهور وانتشار أجهزة الكمبيوتر، ورخص ثمنها، لم تتغيّر عاداته في الكتابة بأقلام الحبر وحدها..

ومنذ عشر سنوات، وهو يستخدم القلم نفسه، ويتفاءل به كثيرا..
وها هو ذا يفقده..
وعلى هذا النحو..

التقط علبة مخملية، ووضع فيها قلمه، ذا السن المكسور، في عناية ورفق، وكأنه يضعه في مثواه الأخير، ثم وضع العلبة بين كتبه العديدة، وقاوم رغبته العجيبة في البكاء، وهو يرتدي ثيابه للخروج بحثا عن قلم جديد..

وبعد ربع الساعة فحسب، كان يسير نحو سيارته، المركونة عند ناصية الشارع، عندما لمح ذلك الرجل عند الناصية..
كان شيخا طاعنا في السن، يجلس عند الركن، وقد فرش أمامه منديلا كبيرا، وضع فوقه مجموعة من أشياء مختلفة، يعرضها للبيع..

وعاد حاجباه ينعقدان في شدة، وهو يحدّق في شيء واحد، من بين كل الأشياء، التي يضعها الشيخ أمامه..
قلم..
قلم حبر، هو نسخة طبق الأصل من قلمه القديم..

لم يصدّق نفسه في البداية، فتسمّر في مكانه، يحدّق في ذلك القلم، قبل أن يسأل ذلك الشيخ في لهفة:
– كم ثمن هذا القلم؟!
رماه الشيخ بنظرة لا مبالية، ثم أشاح بوجهه، مغمغما في خشونة:
– مائة جنيه.

صدمه الجواب، مع الغلو المبالغ في ثمن القلم، فهتف بالرجل في حدة:
– مائة جنيه؟! هل جننت يا رجل؟!
مطّ الشيخ شفتيه، وغمغم بنفس الخشونة:
– امضِ في طريقك يا هذا.. إنه لا يناسبك.

كان يعلم أن الشيخ يساوم، ولكن المبلغ بدا باهظا، بالنسبة لقلم مستعمل، كما يبدو على هيئته، فقال محاولا تهدئة الموقف:
– قلم كهذا، لا يساوي أكثر من ثلاثين جنيها، على أقصى تقدير.
أجابه الشيخ في خشونة:
– إنه يساوي عشرة آلاف على الأقل.

تراجع العطار في دهشة، ثم استعاد توازنه، وتساءل في عصبية:
– أهو من ذهب؟!
خّيل إليه أنه قد لمح شبح ابتسامة على شفتي الشيخ، وهو يقول:
– إنه أثمن من هذا.

لم يفهم هذا الأسلوب أبدا، فمال نحو الشيخ، قائلا:
– سأعطيك خمسين جنيها ثمنا له.
التقط الشيخ نفسا عميقا، وهو يقول:
– إنك تنشد ذلك القلم بالذات.. أليس كذلك؟!

تظاهر العطار باللا مبالاة، وهو يهز كتفيه، قائلا:
– إنه مجّرد قلم.
أجابه الشيخ، في سرعة وخشونة:
– لا.. ليس كذلك؟!

ثم التقط القلم في رشاقة، لا تتناسب مع التجاعيد المحفورة على وجهه، وهو يقول رافعا إياه أمام عيني العطار:
– هذا القلم كان سبب شهرة أدباء معروفين، في العالم العربي كله.. كلهم استعانوا به.. كلهم عبروا إلى عالم الشهرة من خلاله… كلهم.
لم يدعه العطار يكمل كلماته، فقال في لهفة:
– سأشتريه.

كان يخرج الجنيهات المائة من حافظة نقوده، عندما سأله الشيخ بغتة:
– أأنت كاتب مثلهم؟
أدهشه السؤال ولكنه أجاب، وهو يمد يده بالنقود للشيخ:
– بالفعل.. أنا كاتب روائي.

أزاح الشيخ يده، الممدودة بالجنيهات المائة، وهو يقول في حزم خشن:
– في هذه الحالة، هو هدية لك.
تراجع العطار مرة أخرى في دهشة، وهو يقول:
– هدية؟! ولكنك منذ دقيقة واحدة كنت..

قاطعه الشيخ في صرامة، وهو يشيح بوجهه مرة أخرى:
– إنه هدية.
التقط العطار القلم، وفحص سنه في اهتمام، فبدا له سليما تماما، مما جعله ينتشي، وهو يقول:
– لست أدري كيف أشكرك.
أجابه الشيخ بنفس الخشونة، وهو ما زال يشيح بوجهه:
– عبر ما ستكتبه به.

ابتسم العطار في امتنان، وانصرف عن الشيخ، مسرعا الخطى إلى منزله، وقبل أن يصل إليه، التفت يلقي نظرة أخيرة على ذلك الشيخ، قبل أن تتسع عيناه عن آخرهما في دهشة بالغة..
فعند تلك الناصية، لم يكن هناك أثر لذلك الشيخ..
لا هو، ولا كل ما فرشه أمامه..
كانت الناصية خالية..
تماما..

وعلى الرغم من دهشته، لم يضع العطار الوقت في التفكير في هذا، وإنما صعد في سرعة إلى منزله، وجلس إلى مائدته الخشبية، وقرأ آخر عبارة كتبها في روايته..
ولدهشته البالغة، وجد الحل على الفور..
وكان في الواقع حلا عبقريا مبهرا..

وتفاءل العطار بالقلم الجديد، وراح ينهي روايتة في حماس مدهش..
وكم كانت جمله وعباراته راقية أنيقة هذه المرة!
كانت كلمات أديب عبقرى بالفعل..

وكم بدا ناشره سعيدا بالنتيجة!
وبسرعة تم نشر الكتاب..
وبسرعة أكبر، ذاع صيته، وبلغت مبيعاته حدا قياسيا، جذب انتباه الصحافة والإعلام، والأهم أنه قد جذب النقّاد..

ولأول مرة في تاريخه، يهتم أحدهم بنقد رواية من رواياته..
وبكل لهفته، قرأ ذلك النقد..
ولم يصدّق عينيه..
كان الناقد يشيد بروايته، بفكرتها وأسلوبها وأناقة عبارتها..

ولكنه يعيب عليها أمرا واحدا..
الابتذال..
وطويلا، توّقف العطار عند تلك الكلمة..
ابتذال؟! إنه لم يلجأ إلى الابتذال، مرة واحدة في حياته الأدبية كلها!

أسرع يلتقط نسخة من روايته الأخيرة، وقلّب صفحاتها في سرعة، بحثا عن ذلك الجزء، الذي وصفه الناقد بالابتذال..
ولهلعه، وجده بين صفحات روايته بالفعل..
وصف لمشهد ساخن، وبكلمات يندى لها الجبين..

جبينه هو على الأقل..
وتصبّب العرق على ذلك الجبين، وهو يقرأ تلك الصفحات مرة..
وثانية..
وثالثة..

وبكل غضبه، أسرع يلتقي بناشره، ليسأله عمن أضاف ذلك المشهد الساخن المبتذل إلى روايته..
“ماذا تعني بهذا؟!”.
نطق الناشر السؤال في دهشة مستنكرة، قبل أن يميل نحوه، مضيفا في صرامة غاضبة:
– نحن دار محترمة يا أستاذ، نحترم قانون النشر، ولا نضيف أو نحذف حرفا واحدا، مما ينشر لدينا.

ثم تراجع في مقعده، وهو يضغط زرا على سطح مكتبه، مضيفا:
– ولهذا نحتفظ بأصول كل ما يرد إلينا من أعمال.
وبكل ذهوله، راح العطار يقرأ ذلك المشهد الساخن المبتذل، والمكتوب بخط يده، على أوراقه، ووسط روايته..

رباه! كيف كتب هذا؟!
ومتى؟!
إنه لا يذكر حرفا واحدا منه!
فكيف فعلها؟!
كيف؟!

عاد الناشر يميل نحوه، وهو يقول في حزم:
– هل تحاول أن تقنعني بأنك لم تكن تعلم، أن سر انتشار ونجاح روايتك، هو هذا المشهد بالذات؟!
حدّق فيه العطار، دون أن يجيب، وانسحب من أمامه في صمت، عائدا إلى منزله، وقد قرّر كتابة رواية جديدة محترمة، يطهّر بها نفسه من عار روايته الناجحة..

وكم أدهشه أن أنجز رواية من أربعين ألف كلمة، في أسبوع واحد.
وكم أدهشه أكثر، أن تم طرحها في الأسواق، قبل مرور شهر واحد على متابعتها.. وكان النجاح مدوّيا هذه المرة..

ولم يكن هناك مشهد مبتذل..
بل عدة مشاهد..
ودار رأس العطار هذه المرة في قوة..

لقد راجع روايته مرتين، قبل إرسالها إلى المطبعة، ولم يكن بها حرف واحد مبتذل واحد..
فمن أضاف إليها هذا؟!
من؟!

كانت شهرته تتنامى، ومبيعات كتبه تتعاظم، والكل يتهافت على شرائها، وحتى ترجمتها، إلى كل اللغات المعروفة..
والأهم، أن ناشره كان يطالبه بسرعة إنجاز رواية جديدة..

وعلى مائدته الخشبية، جلس يبدأ روايته الجديدة..
وفي هذه المرة، كانت رواية للرعب..
خط أكثر من خمسين صفحة بقلمه، قبل أن يأخذ منه الإرهاق مبلغه، ويأوى إلى فراشه..
ويحلم..

يحلم بأن قلمه القديم قد سقط من موضعه، وارتطم بالأرض، فانصلح سنه المكسور.. كان يحلم بهذا، عندما شعر بتلك الحركة في حجرة مكتبه..
نهض من فراشه مذعورا، وتسلّل مرتجفا إلى حجرة مكتبه..
كانت هناك حركة واضحة..

وبمنتهي الحذر، وقف عند باب حجرة مكتبه، ومال برأسه، يلقى نظرة داخلها..
وارتجف جسده في قوة..
كان هناك شخص بالفعل يجلس عند منضدته الخشبية، ممسكا بقلمه، ومنهمكا في الكتابة على أوراقه..

ولكن ارتجافة جسده لم تقارن بتلك الانتفاضة العنيفة، التي شملت جسده كله، من قمة رأسه، وحتى أخمص قدميه، مع ذلك الشيء الذي لمحه..
ذيل..
ذيل يخرج من ذلك الجالس على مائدتة الخشبية، ويتراقص تراقصا خفيفا على الأرضية.. وفي نفس اللحظة، التي انتبه فيها إلى ذلك الشيء، التفت إليه الجالس..

وكانت صدمة أكبر..
إنه ذلك الشيخ، الذي أهداه قلمه الجديد..
ولكن ملامحه كانت تختلف..
شعره الأشيب، صار أحمرا ناريا، يتراقص كالنيران فوق رأسه، ويبرز من جانبيه قرنان صغيران دقيقان..

أما عيناه، فكانتا كتلتين من اللهب..
وبكل رعب الدنيا، تراجع العطار، ولكن ذلك الشيخ الشيطاني قال في هدوء خشن:
– أهلا بك في عالم الشهرة.

حدّق فيه العطار بعينين ملأهما الرعب، فرفع الشيخ الشيطاني بعض الأوراق أمامه، وهو يضيف:
– لقد أضفت سبعة مشاهد ملتهبة إلى روايتك، ستقفز بها إلى القمة.
ثم غمز بعينه النارية، مضيفا:
– أراهن أنه لن يمضي عام واحد، حتى تنتقل إلى فيلا فاخرة، في سيارة من أحدث طراز.. هل يروق لك هذا؟

مضت لحظات، والعطار يحدّق في ذلك الشيطان الجالس أمامه، قبل أن يلتقط نفسا عميقا، ويسأله في صوت، بدأ يتماسك:
– هل ستريني ما كتبته هذه المرة؟!

ابتسم الشيخ الشيطاني ابتسامة كبيرة، برزت معها أنيابه الحادة الرفيعة، وهو يجيب:
– بالتأكيد.. هذا ما كنت تحلم به دوما.. أليس كذلك؟!
اتجه إليه العطار، وقال في توتر :
– أنت تجلس على مقعدي.

نهض الشيخ الشيطاني، تاركا له مقعده، وهو يقول:
– لقد اتفقنا.. أليس كذلك؟!
أشار العطار بسبّابته، قائلا في صرامة:
– قلت فيلا فاخرة، وسيارة من أحدث طراز.. وفي أقل من عام واحد.

اتسعت الابتسامة الشيطانية، وصاحبها يقول:
– اتفقنا..
ثم ربت على كتفه، وشعر العطار بسخونة كبيرة مع تربيتاته، وهو يضيف:
– أهلا بك في عالم الشهرة.

وازدادت عيناه الناريتان اشتعالا، مع إضافته:
– في الجحيم.
وعلى الرغم من أن العطار لم يسمع هذا، فقد قرن الشيخ عبارته بضحكة شيطانية كبيرة في أعماقه…
ضحكة طويلة..
وظافرة.
روايات مصريـة
نشر في 26 آب 2019
QR Code
تابع
متابع
تابع
متابع
تابع
متابع
تابع
متابع
تابع
متابع