Facebook Pixel
112 مشاهدة
0
0
Whatsapp
Facebook Share

هكذا قال لها كما لو كان يكرر ما قاله له ورقة فلننتبه هنا أنه يخاطب مكة ويقول لها ما أطيبك من بلد مكة التي لقي فيها الصدود والرفض والتكذيب والاستهزاء مكة التي حاربته ثلاثة عشر عامًا من حياته

همس لها،عليه الصلاة والسلام، لمكة... لاحقًا عندما عاد إليها بعد سنوات...
«مَا أَطْيَبَكِ مِنْ بَلَدٍ وَأَحَبَّكِ إِلَيَّ وَلَوْلَا أَنَّ قَوْمِي أَخْرَجُونِي مِنْكِ مَا سَكَنْتُ غَيْرَكِ»
أخرجوني منك..
هكذا قال لها... كما لو كان يكرر ما قاله له ورقة..
فلننتبه هنا أنه يخاطب مكة ويقول لها ما أطيبك من بلد..
مكة التي لقي فيها الصدود والرفض والتكذيب والاستهزاء..
مكة التي حاربته ثلاثة عشر عامًا من حياته..
لكنه يحبها لا يزال..
ويقول لها ما أطيبك من بلد وأحبك إلي..
يكاد يتغزل بها هو الذي غادرها مضطرًا.
بعض الأمور عصية على التفسير، على العقلنة.. مشاعرنا أحيانًا لا تخضع لقوانين العقل الذي لو تدخل في أمر كهذا لحكم ضد ما تقول به العواطف..
نحب مدننا الأم، كما نحب أولادنا، مهما أساءت تلك المدن معاملتنا.. نحبها، حتى لو لم نشعر بها تبادلنا الحب... نحبها كقدر لا يمكن الخلاص منه.. نحمل حبها معنا مثل الوشم حتى لو هجرناها...
نهاجرها نعم... لكنها لا تهاجرنا..
تراه تجول في شوارعها قبل أن يغادر، احتضنها بعينيه ورئتيه وملأ كل ما يمكن من هوائها في رئتيه كما لو كان يختزن منها للقادم من الأيام..
مكة كانت بالنسبة له أمه التي يذكرها بالكاد.. أباه الذي لم يره..
مكة التي عاد إليها وحيدًا من تلك الرحلة التي دفن فيها أمه وهو ابن ست سنوات..
مكة كانت بالنسبة له خديجة التي كانت أجمل قدر له قبل أن يأتيه الوحي... غيرت حياته ووقفت بجانبه.. آمنت به قبل أن يؤمن بنفسه..
مكة كانت ولديه اللذين فارقاه مبكرًا، القاسم وعبد الله..
مكة كانت بناته، أشعة من قبس خديجة، تنير البيت..
مكة كانت صديقه الذي صدق به بكل ما قال، حتى قبل أن يسمعه..
مكة كانت العم الذي تكفل به ووقف بجانبه..
مكة كانت المكان الذي التقاه فيه الوحي أول مرة.. التحم الوحي بالنسبة له فيها على نحو يجعل فراقها صعبًا كفراق الوحي..
مكة أيضًا كانت كل ما حاربه.. كانت الاستهزاء به.. والسخرية.. والتحذير منه عندما يأتي العرب للحج..
كانت سلا الجزور على رقبته وهو ساجد... وقميصه يشد على رأسه ليخنقه...
كانت عمه الآخر الذي أهانه وتبرأ منه علنًا..
وبنته تطلق انتقامًا منه..
كانت الحصار المرير، وصحيفة المقاطعة.. والقطن في آذان الناس كي لا يسمعوه...
وهي الوداع المرير لعمه وهو يرفض أن يقولها.. وحوله من يقول: عبد المطلب! عبد المطلب!
مكة هي ضحك الناس وتصفيقهم عندما عاد من الإسراء...
مكة كانت هي المدينة التي طلب الجوار ليدخلها بعد الطائف..
مكة هي رجال مثل مطعم بن عدي، ومثل عمه أبي طالب، رجال بمعدن نقي... وقفوا معه بشرف ونخوة... ولكن نقاء معدنهم لم يجعلهم يقولون الكلمة التي تنجيهم..
مكة هي كل من كان يتمنى أن يؤمن.. ولم يفعل..
مكة هي الخليط من كل ذلك..
ورغم ذلك...
يحبها.. بقي يحبها..

#السيرة_مستمرة
#أحمد_خيري_العمري
د.أحمد خيري العمري
نشر في 14 آب 2019
QR Code
تابع
متابع
تابع
متابع
تابع
متابع
تابع
متابع
تابع
متابع
تابع
متابع
تابع
متابع