Facebook Pixel
قصة العودة
59 مشاهدة
0
0
Whatsapp
Facebook Share

ثلاث سنوات كاملة لم يطأ فيها (فريد) أرض مصر، منذ أن سافر للعمل بتلك الدولة من دول الخليج العربي ويا لها من فترة ! لم يدر كيف أمكنه أن يقضي كل تلك الفترة بعيداً عن زوجته وأولاده ؟

ثلاث سنوات ..
ثلاث سنوات كاملة لم يطأ فيها (فريد) أرض مصر ، منذ أن سافر للعمل بتلك الدولة من دول الخليج العربي ..
ويا لها من فترة !..
لم يدر كيف أمكنه أن يقضي كل تلك الفترة بعيداً عن زوجته وأولاده ؟ ..
كيف أمكنه أن يحتمل فراقهم وبعادهم طوال هذه السنوات؟
تنهد بعمق وهو يسترخى داخل سيارة الأجرة التي تحمله من مطار القاهرة إلى منزله ، ويستعيد ذكريات ثلاث سنوات مضت ..
لم يكن هناك من حل ـ حينذاك ـ لكل مشاكل الأُسرة الاقتصادية سوى أن يقبل عقد العمل في تلك الدولة ..
الأولاد يحتاجون إلى دروس خصوصية في كل المواد تقريبًا ..
زوجته تشكو متاعب العمل والمواصلات والحياة ..
حموه بدأ يعلن عن تبرمه من وجودهم معه في منزله ، على الرغم من أنه يحيّا وحده بعد وفاة زوجته ، وسفر الأولاد الآخرين للعمل في دول أُخرى ..
ومتاعبه هو الشخصية ..
حتى علبة سجائره ،كان يدخر القروش لشرائها ..
وكان الحل الوحيد هو السفر ..
وسافر ..
وهناك ، بين آبار النفط ومرارة الغربة وذُل الوحدة ، راح يعمل ليل نهار ، ويحرم نفسه من كل شيء ، فيما عدا علبة السجائر أجنبية الصُنع ، حتى يرسل الجانب الأعظم من راتبه كل شهر إلى زوجته في القاهرة ..
وبعد العام الأول ، أبلغته رسائل زوجته أن كل شيء أصبح أفضل ..
الأولاد يحصلون على دروسهم الخصوصية ، عند أفضل مدرسي (القاهرة) ..

وابتاعت زوجته سيارة وتعلمت قيادتها ، ولم تعُد هناك مشاكل في المواصلات والعمل ..
ووقعت الزوجة عقد تملُك شقة جديدة ..
ضايقه في البداية أنها سجلت عقد الشقة باسمها ، ولكنه لم يلبث أن تفهّم ضرورة هذا ، حتى لا يحتاج لكتابة توكيل شامل لها ، لدفع أقساط الشقة واستلامها ، وما يستتبع ذلك من إجراءات ..

وفى أول محادثة هاتفية بينهما ، أخبرته زوجته أنها دفعت كل ما أرسله كمقدم للشقة ، ومازالت هناك الأقساط الشهرية الضخمة ..
وقرر التنازل عن أجازته السنوية هذا العام ، لتدبير مصروفات المنزل ، وأقساط الشقة الجديدة ..
يكفي أن يتحقق الحلم ، ويصبح لديه شقة خاصة بعد أكثر من 15 عاماً من الزواج ..
ومضى العام الثاني أكثر مشقة ، ولكن النتائج كانت أروع مما يتصور ..
لقد تسلمت زوجته الشقة الجديدة وأثثتها ، وأرسلت إليه صورها المبهجة ، وصور أولاده الثلاثة داخلها ..
ولقد تغيرت هيئة الأولاد كثيرًا ..
(أحمد) أصبح أطول ، (مها) ازداد وزنها ، (وسامح) يبدو أكثر أناقة ..
ومع أول عائد إلى (القاهرة) من زملاء العمل ، أرسل للأولاد حقيبة ضخمة ، تمتلئ بالملابس واللعب..
وأرسل لزوجته حقيبة مثلها ..
وواصل إرسال أقساط الشقة ، ومصروفات المنزل ..
واضطر في العام الثاني للتنازل عن أجازته السنوية أيضاً؛ لأن أحمد أصبح في الشهادة الإعدادية ويحتاج إلى مزيد من الدروس الخصوصية، وزوجته تشكو من متاعب السيارة المستعملة؛ وتلح في استبدالها بسيارة جديدة؛ وأقساط الشقة لم تنته بعد و..
ومضى عام ثالث من والكفاح التعب والمهانة..
وعندما حان موعد أجازته السنوية الثالثة قرر أن يسافر لرؤية أولاده وزوجته
وشقته الجديدة..
وقرر أن يفاجئهم بعودته..

وعندما أوقف سائق الأجرة سيارته، أمام هذه البناية الفاخرة التي يحتل منزله الجديد أحد طوابقها، خفق قلبه في سعادة، ونقد السائق بقشيشًا سخيًا، وهو يحمل حقيبته الوحيدة، ويستقل المصعد إلى شقته الجديدة..
وفى المصعد ابتسم في حنان وهو يرسم صورة جميلة للقائه بأولاده وزوجته، ويتصوّر سعادتهم بعودته، وتأثير المفاجأة الجميلة عليهم..
وأمام باب الشقة؛ انتبه لأول مرة أنه لا يمتلك مفتاحًا لها فدق جرس الباب وهو يأسف لضياع المفاجأة التي يحلم بها منذ وصوله..
ومضت لحظات من الصمت؛ ثم فتحت مها الباب..
ولثوان تطلعت إليه، والى ابتسامته في حذر وتساؤل، قبل أن تقول في تردد:
ـ بابا؟!

هتف بكل سعادته لرؤيتها:
ـ نعم يا مها.. أنا أبوكِ.

صاحت:
ـ بابا .. مرحبًا بك .. مرحبًا .
عانقها في حرارة وسعادة، ودخل معها ـ لأول مرة ـ إلى شقته الجديدة..
كانت شقة واسعة فاخرة بالفعل، كل ركن فيها يشف عن ذوق زوجته وأناقتها..
ولكن أين ذهبت صورة زفافهما؟..

انتبه فجأة إلى أنه لا توجد له أي صورة له، في أي ركن بالمنزل، وأدرك لحظتها لماذا ترددت ابنته مها قبل أن تصافحه ..
لقد نسيت ملامحه تقريبًا ..

ثلاث سنوات لم يرسل فيها إلى أولاده صورة واحدة، ولا يرون صوره بالمنزل في الوقت ذاته، فمن الطبيعي إذن أن ينسوا ملامحه تقريبًا ..

شعر بمزيج من الأسف والمرارة لهذا، وأدهشه أن قادته ابنته إلى حجرة الصالون وهى تقول:
ـ ستعود أمي بعد قليل.

قال مُحتجاً:
ـ سأنتظرها في حجرتنا.
لاحظ تردد ابنته، فردد في حزم:
ـ أين حجرتنا؟
قادته الى الحجرة في استسلام، وكأنها مرغمة على هذا، وسألها وهو يُلقي سترته فوق الفراش، ويضع حقيبته إلى جواره:
ـ أين ذهبت أُمك؟؟
أجابته في خفوت:
ـ إلى مصفف الشعر (الكوافير).

سألها مرة أخرى:
وأين (أحمد) و(سامح)؟
أجابته ولهجتها تحمل شيئًا من الضجر:
ـ (أحمد) عند مدرس الجغرافيا و(سامح) لم يعد من مدرسته بعد.

ثم سألته في لهفة:
ـ ماذا أحضرت لنا معك؟؟
أجابها في ضيق:
ـ لقد أرسلت لكم أشياء كثيرة الشهر الماضي، واليوم أحضرت حقيبتي فحسب.

ألقت نظرة مفعمة بخيبة الأمل على الحقيبة، وهى تُغمغم:
ـ حقًا !
قال في حنق:
ـ ألا تشعرين بالفرحة لرؤيتي؟
ألقت عليه نظرة حذرة، قبل أن تقول:
ـ بالطبع.
قالتها بلهجة خاوية من أية انفعالات، ثم غادرت الحجرة، وتركته وحده حائرًا متوترًا ..
ماذا أصابها ؟..
لماذا تتعامل معه وكأنها تستقبل ضيفاً ثقيلًا ؟
لم يفهم سر هذا الأسلوب، حتى عاد (أحمد) و(سامح) في وقت واحد تقريبًا.. ولم يكد يعلن عن عودته حتى هتف (أحمد):
ـ أبى عاد .. ماذا أحضرت لنا معك يا أبى؟

وصاح (سامح) في سعادة:
ـ هل أحضرت السيارة الصغيرة، التي طلبتها منك؟
أحنقه كثيرًا اهتمامهم بما أحضره، أكثر من اهتمامهم بحضوره، فأجاب في عصبية:
لا.. لم أُحضر شيئًا.

بدت خيبة الأمل على وجهيّ (أحمد) و(سامح)، وفتر حماسهما تمامًا حتى أن أجوبتهما عن أسئلته جاءت مقتضبة مجاملة، كما لو كانا يجيبان ضيفًا أو أحدًا من مدرسيهما..
وضاق صدره بالموقف، وراح يتطلع إلى ساعته في قلق، في انتظار عودة زوجته ؛ عسى أن يجد في سعادتها لرؤيته تعويضًا عما أزعجه من لقاء أولاده ..

وأخيرًا حضرت الزوجة ..
أدهشته رؤيتها في البداية، بشعرها الأصفر الذهبي المصبوغ، وزينتها المبالغة، وهي تهتف به:
ـ (فريد) ! .. يا لها من مفاجأة ! .. متى وصلت؟

صافحها في حرارة، وأخبرها أنه وصل منذ قليل، ثم سألها:
ـ أتصبغين شعرك ؟
ابتسمت وهى تتحسس شعرها، قائلةً في زهو:
ـ هل يروق لك اللون ؟

أجابها مجاملًا:
ـ نعم.. إنه يناسبكِ تمامًا ..
كان كاذباً في قوله، فلون شعرها الذهبي لم يكن يناسب أبدا بشرتها السمراء، ولكنه آثر الهدوء، وعدم الدخول في مجادلات عقيمة، وفضّل عدم مناقشتها أمام أولادهما، فانتظر حتى ضمتهما حجرة نومهما، وسألها:
ـ لماذا تصبغين شعرك ؟

قالت في بساطة:
ـ الأشقر هو الموضة هذه الأيام.
أخرجت من حقيبتها علبة سجائر أجنبية، التقطت منها سيجارة، دستها بين شفتيها المصبوغين، وأشعلتها بقداحة ذهبية، فسألها في دهشة:
ـ منذ متى تدخنين؟

أجابته في هدوء:
ـ منذ عامين.
ثم أضافت وهي تنفث دخان السيجارة في عمق:
ـ كل نساء الطبقة الراقية تفعلن هذا.

هتف في دهشة:
ـ الطبقة الراقية ؟! .. من وضع هذه الفكرة الغبية في رأسكِ؟

أجابت في حدة:
ـ ليست فكره غبية .. إنها واقع .. ألا تشاهد أفلام السينما؟

لعن أفلام السينما، وكل الأفكار العجيبة، التي تغرسها في رءوس الناس، وبدأت بينه وبين زوجته مشادة، حسمها وهو يقول في مرارة:
ـ حسنًا.. لم أقطع كل هذه المسافة، لنتشاجر بسبب هذا.

تلفتت حولها في لهفة، وهى تسأله:
ـ أين حقائبك ؟

أجابها وقد فهم ما ترمى إليه:
ـ لم أُحضر سوى حقيبتي.
هتفت في ضيق:
ـ فقط ؟
أجابها وهو يختنق غيظًا:
ـ كان سفرًا مفاجئًا سريعًا.

أدهشها أن قالت في أسف:
ـ يا للخسارة !

لحظتها أدرك لماذا قضى في الغربة ثلاث سنوات كاملة..
لقد احتمل كل هذا، لينساه أولاده ..
ليخلو بيته من صورته ..
لتصبغ زوجته شعرها ..
وتبدل سيارتها ..

احتمل العذاب والوحدة والهوان والمرارة، لتنفث زوجته كل هذا، مع دخان سيجارتها أجنبية الصنع ..
وفى آليّة، وبلا أدنى لهفة أو انفعال سألته زوجته:
ـ كم ستبقى؟

وبكل مرارة الدنيا في أعماقه، أجاب:
ـ سأرحل في الصباح الباكر .. لم يعد لي مكان هنا ..
وكان يعني ما يقول.

(تمت)

_______
(د. نبيل فاروق ـ كوكتيل 2000 ـ العدد رقم 14 ـ لعنة البحر)
روايات مصريـة
نشر في 07 آذار 2017
QR Code
تابع
متابع
تابع
متابع
تابع
متابع
تابع
متابع
تابع
متابع
تابع
متابع