Facebook Pixel
رواية كمٌ مهمل
311 مشاهدة
0
0
Whatsapp
Facebook Share

انفعال عجيب ذلك الذي استقبل به حمدي زميل عمره فؤاد في تلك الليلة ولكنه انفعال لم يدهش فؤاد لحظة واحدة

انفعال عجيب ذلك الذي استقبل به حمدي زميل عمره فؤاد في تلك الليلة..

ولكنه انفعال لم يدهش فؤاد لحظة واحدة.
فمنذ كانا زميلين في كلية العلوم لم يتغير كلاهما قط.
فؤاد هادئ دوما وشديد الصبر في كل ما يخطط له، شديد الذكاء على نحو ملحوظ.
حمدي أيضا كان شديد الذكاء إلى حد بهر كل أساتذته، ولكنه على عكس فؤاد؛ كان قليل الصبر، كثير الانفعال والحماس في كل ما يدرسه ويفعله ويخطط له.

وبعد تخرجهما، وعلى الرغم من عبقريتهما ومن أنهما كانا على رأس دفعتهما بفارق ملحوظ، لم يتم تعيين أي منهما كمعيد في الكلية؛ لأن ابنيّ اثنين من أساتذة الكلية ممن يقلون عنهم ذكاء، فازا بالمنصبين لأسباب واهية لم تقنع أيهما.

وفي الوقت الذي اكتفى فيه فؤاد بوظيفة باحث في المعهد القومي للبحوث براتب محدود إلى جوار عمله كاستشاري علمي لعدة شركات خاصة، رفض حمدي التعيين في أي وظيفة حكومية أو خاصة، واستغل الثروة التي ورثها عن والده الراحل لينشئ لنفسه معمل أبحاثه الخاص في فيلا الأسرة القديمة في قويسنا.

ومنذ أكثر من عامين يتحدَّث حمدي في حماس عن اختراع جديد سيجعله أشهر عالم في الكرة الأرضية كلها، وسيرشحه حتما للفوز بجائزة نوبل في العلوم.

ولأن حمدي يتحدث دوما في حماس وانفعال أيا كان ما يتحدث عنه، لم يهتم فؤاد كثيرا بحديثه، وواصل حياته على نحو طبيعي.

حتى كان هذا اليوم..

لقد اتصل به حمدي في حماس شديد وأخبره أنه قد أنهى اختراعه ويريده أن يكون شاهدا على تجربته الأولى..

وعلى الرغم من مشاغل فؤاد العديدة، قرر ألا يخذل زميل عمره؛ قاد سيارته في السادسة مساء إلى فيلا عائلة حمدي في قويسنا..

كان يعرف المكان جيدا منذ كان والد حمدي الراحل يدعوه إلى ما سماه عزبته، حيث كانت الفيلا خارج مدينة قويسنا ومحاطة بفدانين من الفواكه، كان لها الفضل في رفض حمدي للعمل وعدم احتياجه إلى المال.



وعندما وصل فؤاد إلى الفيلا وقبل أن يطرق بابها، لفت انتباهه جسمان كبيران أشبه بكشكي هاتف قديمين تم صنعهما إلى جوار سور الفيلا وتم إيصالهما بكابلات كهربية للضغط العالي..

وما أن رآه حمدي حتى هتف بكل انفعاله:

– كنت أعلم أنك ستأتي.

غمغم فؤاد، في حذر لم يدرِ له سببا:

– كان من الضروري أن أفعل.

كان حمدي يلهث من فرط الانفعال وهو يميل نحوه قائلا:

– لقد فعلتها.. حققت حلم العلماء منذ عشرات السنين.
سأله فؤاد بنفس الحذر:
– أي حلم منها؟ العلماء لهم الكثير من الأحلام.



اعتدل حمدي ولهث أكثر وهو يجيب:

– الانتقال الآني.

ارتفع حاجبا فؤاد في شدة، وهو يحدق فيه بعينين اتسعتا عن آخرهما من فرط الذهول..

الانتقال الآني هو بالفعل حلم العلماء منذ عشرات السنين..

حلم الانتقال في الزمان والمكان آنيا..

حلم أن تكون في مصر وتدخل جهازا خاصا يفكك أجزاء جسمك وينقلها كالموجات اللاسلكية إلى جهاز مماثل في سوريا..
أو حتى في الولايات المتحدة الأمريكية..
والأهم أن يفعل هذا في لحظة واحدة..
شيء أشبه بالسحر والخرافة..
ولكن هكذا العلم، وهكذا التكنولوجيا..



في البداية تكون فكرة أشبه بالحلم..
ثم نظرية مبهرة، تؤيدها معادلات رياضية وفيزيائية..

وبعدها فجأة تصبح حقيقة..

حقيقة تبهر الناس وتدهشهم في البداية، ثم سرعان ما يعتادونها ويستخدمونها في حياتهم اليومية ويضيع انبهارهم بها، ويبحثون عن الانبهار التالي..

والتالي..
والتالي..
وهكذا..

ومتابعته لدينا العلم والتكنولوجيا أثبتت له هذا..

ففي العقد الأول فقط من القرن العشرين تحول الكثير من الخيال إلى حقيقة..

العالم الروسي “شيرنوبروف” اخترع آلة الزمن عام 1997م..

والدكتور محمد علي حول الاختفاء من خيال إلى حقيقة عام 2000..

وحتى التصغير حققه علم “المونوبول”، و”الفيمتوثانية” جعلها الدكتور أحمد زويل حقيقة علمية..

وها هو ذا حمدي يحدثه عن الانتقال الآني..

وانتقلت إليه عدوى الانفعال وهو يسأله:

– ولكن كيف؟ كيف فعلتها يا حمدي؟

أجابه بكل حماسه:

– هذه قصة طويلة يا صديقي.. المهم أنني قد فعلتها.

ثم عاد يميل نحوه مكملا:

– كانت التضحيات كبيرة.

غمغم فؤاد في قلق:

– أي نوع من التضحيات.

أطلق حمدي ضحكة انفعالية وهو يقول:

– ليس ما يدور في ذهنك، فلسنا في فيلم رعب أمريكي.. كل ما في الأمر أنني اضطررت إلى بيع نصف الحديقة.

ثم غمز بعينه، مضيفا:

– عمل كهذا يحتاج إلى نفقات باهظة.

قالها وهو يجذبه من يده في حماس إلى الكشكين المجاورين لسور الفيلا وهو يقول في سعادة عجيبة:

– انظر إليه.. ألا يبدو جميلا؟!

تطلع فؤاد إلى الكشكين قبيحي المظهر، وهو يقول في حذر:
– بالفعل.
بدا حمدي أكثر حماسا، وهو يقول:

– ذلك إلى اليمين هو الراسل، يدخل الشخص فيه ويغلقه في إحكام ويتم تشغيل الجهاز آليا، ليفكَّك ذرات جسده وينقلها إلى المستقبِل الموجود في اليسار.

نقل فؤاد بصره بين الكشكين قبل أن يسأله في قلق:

– وأين موضوع التجربة؟ من ستختبر عليه جهازك؟

تراجع حمدي خطوتين، وأشار إلى صدره وهو يجيب في زهو:

– أنا.

اتسعت عينا فؤاد، قبل أن يقول في عصبية:

– أي حماقة هذه؟! لو تصوَّرت أنني سأساعدك على هذا، فأنا…

قاطعه حمدي في انفعال:

– أنت هنا فقط لتكون شاهدا على التجربة؛ فكل شيء يعمل آليا فور إحكام إغلاق الباب.. كل شيء.

سأله فؤاد بنفس العصبية:

– هل أجريت أي تجارب سابقة قبل أن تجازف بتجربة الجهاز على نفسك؟!

هتف بكل حماس:

– بالطبع.

ثم هز كتفيه وهو عاجز عن السيطرة على انفعاله، وأكمل:

– كان هذا جزءا من التضحيات التي حدَّثتك عنها؛ فأوَّل ما أخضعته للتجربة كان قطي الصغير ميرو.. هل تذكره؟

لم يجِب فؤاد السؤال، وإنما سأله:

– وهل نجحت التجربة؟

مط حمدي شفتيه وأجاب في أسف:

– بل كانت كارثة.

جف حلق فؤاد وهو يسأله:

– كيف؟ ماذا أصابه؟

أجابه بنفس الأسف:

– تلاشى.. لست أدري كيف، ولكنه اختفى من الراسل ولم يصل أبدا إلى المستقبِل.. ربما تلاشت في الهواء أو…

لم يتم عبارته، فسأله فؤاد وقلقه يتصاعد:

– أو ماذا؟

أطلق ضحكة عصبية ولوح بيده في الهواء وهو يقول:

– المهم أن التجارب التالية كانت ناجحة.. ناجحة تماما.. انظر إلى المعادلات.

راح يضغط أزرار الكمبيوتر الملحق بالراسل، وعينا فؤاد تراجع تلك المعادلات الفيزيائية المعقدة في لهفة..


وفي تلك اللحظة بالذات كان عليه أن يعترف أن حمدي يفوقه ذكاء بكثير..
لقد كسر تقريبا ثلاث نظريات فيزيائية وأثبت نظريتين أخريين لكي يتوصل إلى المعادلات شديدة التعقيد للانتقال الآني..

وبكل الانفعال الذي صنعه به هذا، أشار إلى رقم صغير متسائلا:

– ما هذا بالضبط؟

ألقى حمدي نظرة لا مبالية على الرقم، وهو يجيب:

– كمَّ مهمل.. مجرَّد كمَّ مهمل، لا تأثير له على المعادلات الأصلية.

ثم عاوده الحماس وهو ينزع بعض ثيابه قائلا:

– المهم الآن هو أن تستعد؛ فستشاهد أول تجربة انتقال آني بشرية في التاريخ.

كان يستعد لدخول الراسل بالفعل بعد أن أعدّ كل شيء، عندما سأله فؤاد وقلبه يخفق في قوة:

– كيف تنتقل ذرات الجسد في الهواء دون أن تتبعثر؟
أطلق حمدي ضحكة حماسية وهو يقول:

– لا تضِع الوقت يا صديقي، سأخبرك كل شيء عند عودتي.. واطمئن.. هذا لن يستغرق سوى لحظات.

هم فؤاد بإلقاء سؤال قلق آخر، ثم لم يلبث أن أطبق شفتيه وراح يراقب في اهتمام وانتباه شديدين..
وبنفس الحماس دخل حمدي كشك الإرسال ولوّح له بيده وهو يبتسم في ثقة، ثم أغلق الباب وأحكم إغلاقه و…

وارتجف جسد فؤاد في شدة عندما بدا له أن عدة صواعق كهربية قد انطلقت داخل كشك الإرسال، في حين بدأ جسد حمدي يتلاشى، حتى اختفى تماما وتوقفت الصواعق..

وبسرعة انتقل بصر فؤاد إلى كشك الاستقبال ونبض قلبه في عنف شديد..

ونبض..
ونبض..

ولم يظهر حمدي..
ثوانٍ مضت..
ثم دقائق طالت..
ولم يحدث شيء..

وبكل الهلع اندفع فؤاد نحو كشك الاستقبال وهو يهتف:
– حمدي.. أين أنت؟

لم يدرِ ما إذا كان من الممكن أن يسمعه أو لا..

بل لم يدرِ حتى أين يمكن أن يكون..

ولكنه ظل يصرخ باسمه بلا انقطاع..

وبعد مرور نصف الساعة دون أن يظهر حمدي، أصيب فؤاد بحالة من الذعر الشديد، وراح يدور حول الكشكين وكأنما يبحث عن أي أثر لصديقه الذي اختفى تماما..

إنه ذلك الكمّ المهمل الذي لم يضعه حمدي في اعتباره..

لا بد أنه يؤثر في عملية الانتقال الآني..

ولكن كيف؟

كيف؟

كان يميل بجسده كله وهو يلقي السؤال في أعماقه ليلقي نظرة على ذلك الفراغ الصغير الذي يفصل الكشكين عن الجدار، عندما اتسعت عيناه عن آخرهما وتراجع في عنف كالمصعوق وهو يصرخ:

– مستحيل!

فمن السور الحجري السميك خلف كشك الاستقبال كان يبرز جزء من ذيل كثيف الفراء..

وإلى جواره كانت تبرز نهاية يد خلت أصابعها من الحياة..

يد حمدي الذي نجح اختراعه تماما مع فارق ضئيل صنعه ذلك الكمَّ المهمل البسيط..

لقد انتقل انتقالا آنيا بالفعل، بنفس الوسيلة التي انتقل بها قطه السابق ميرو..

انتقل من كشك الإرسال..

إلى قلب السور الحجري السميك.
روايات مصريـة
نشر في 17 شباط 2019
QR Code
تابع
متابع
تابع
متابع
تابع
متابع
تابع
متابع
تابع
متابع