Facebook Pixel
502 مشاهدة
0
0
Whatsapp
Facebook Share

من الأشياء التي أتمنى بصدق لو كنت قد تعلّمتها صغيراً، هي أن عبارة الراحة تأتي بعد التعب عبارة خاطئة جملة وتفصيلاً، إنما تكمن في العمل والبذل والحركة

من الأشياء التي أتمنى بصدق لو كنت قد تعلّمتها صغيرا، هي أن عبارة "الراحة تأتي بعد التعب" عبارة خاطئة جملة وتفصيلا..

ظاهر العبارة تحفيزي.. لكنها تزرع في لا وعي الإنسان تصورا مفاده أن العمل ما هو إلا تعب.. ما هو إلا شيء كريه وممل وبغيض.. ويفضّل ألّا نقوم به.. لكنه ضروري للوصول إلى الجائزة أو الحالة الطبيعية للإنسان وهي الراحة والدعة والكسل..

تصوير العمل على أنه تعب، هو ما جعلنا نكره الذهاب إلى المدرسة.. نُمقت حل الواجبات والدراسة للامتحانات.. هو ما جعلنا نرى أن هدفنا الرئيسي من المدرسة ليس اكتساب المعرفة، بل اجتياز الامتحانات طمعا في الحصول على عطلة صيفية كسولة طال انتظارها..

هذا التصور هو الذي جعلنا نكره وظائفنا كبالغين.. نتأفف لدى الاستيقاظ من النوم.. نلعن الرأسمالية في الطريق إلى العمل.. ونمضي النهار على مكاتبنا ونحن ننظر إلى الساعة.. غافلين تماما عن القيمة التي نؤديها.. عن العمل الذي ننجزه بل وحتى احتمالات أن نتطور ونرتقي.. لنعود في آخر النهار ونحن نسأل الله أن يقبض إليه رئيسا ما، أو يرسل عاصفة ثلجية شديدة تمنحنا عطلة غير متوقعة..

تصوّر أن التعب ما هو إلا جسر للراحة بتعبير أبي تمّام، هو ما جعلنا نرى كل ما نقوم به في يومنا على أنه تعب.. وأن حياتنا لا تبدأ إلا بعد أن ننتهي منه كما قال كارل ماركس.. هو ما جعلنا نقدّس كل وسيلة تجعلنا نعبر هذا الجسر البغيض بأسرع ما يمكن.. سواء كانت تلك الوسيلة هي ميراث مفاجئ، تذكرة يانصيب رابحة، جائزة رمضانية.. أو حتى السطو الحلال على بنك.. أي شيء، المهم أنّه يقربنا إلى هدفنا الأساسي.. الراحة.. التقاعد الثري المريح الذي أصبحنا نحلم فيه ونحن لا نزال في العشرين من العمر..

لو عادت بي الدنيا، سأقول للطفل الذي كنته أن الراحة الحقيقية على الصعيدين الجسدي والنفسي لا تأتي بعد التعب، إنما تكمن فيه.. تكمن في العمل والبذل والحركة.. في تغيير وصناعة الأشياء ومنح القيمة والمعنى لما حولنا.. أما التعب الحقيقي فهو عندما يسترخي الإنسان على أريكته، ولا يجد شيئا ليفعله..

#ديك_الجن
كتابات ديك الجن
نشر في 20 أيّار 2019
QR Code
تابع
متابع
تابع
متابع
تابع
متابع
تابع
متابع
تابع
متابع
تابع
متابع