Facebook Pixel
رواية المريض
282 مشاهدة
0
0
Whatsapp
Facebook Share

كان يومًا مرهقاً بالنسبة للدكتور (أدهم) لقد فحص أكثر من خمسين مريضاً بالمستشفى العام، الذي يرأس قسم الأمراض الباطنية فيه، وقضى ما يقرب من ساعتين في عيادة التأمين الصحي، رواية ممتعة المريض للكاتب نبيل فاروق

كان يومًا مرهقًا، بالنسبة للدكتور (أدهم).
لقد فحص أكثر من خمسين مريضًا بالمستشفى العام، الذي يرأس قسم الأمراض الباطنية فيه، وقضى ما يقرب من ساعتين في عيادة التأمين الصحي، فحص خلالهما عددًا لا بأس به من المرضى، مما الْتهم الوقت الذي خصصه لراحته اليومية، فاضطر للذهاب مباشرة إلى عيادته الخاصة، التي اختار لها منطقة راقية، وفرشها بأثاث يليق باسمه، وزوّدها بأحدث المعدات والأجهزة الطبية..

وكم شعر بالإرهاق فور وصوله إلى العيادة، مع رؤيته لذلك الزحام في صالتها، فأسرع إلى حجرة الكشف، واستدعى ممرض العيادة، وهتف به في حنق:
– ما هذا يا (رضا).. ألم أخبرك أنني أعاود عشرين مريضًا فقط يوميًا؟!
أجابه الممرض في هدوء:
– هذا عددهم بالضبط.. الباقون يرافقونهم فحسب.

أحنقه هذا، ولكنه، توفيرًا للوقت، طلب منه إدخال المريض الأول على الفور..
وطوال ما يقرب من ثلاث ساعات راح يعاود المرضى، ويفحص بعضهم، أو يتابع تحليلات وفحوص البعض الآخر، حتى بدا له أن يومه لن ينتهي أبدا..

وأخيرا، وبعد أن أحصى من عاودهم، أدرك أنه لم يتبق أمامه سوى مريض واحد، فتنفس الصعداء، وهتف عبر جهاز اتصال داخلي:
– المريض الأخير يا (رضا).
لم يجبه (رضا) هذه المرة، فهتف مكررًا في حدة:
– المريض الأخير.

انفتح الباب فور هتافه، وعبره ثلاثة أشخاص..
رجل، وامرأة، وشاب في حوالي الخامسة والعشرين من عمره..
كان من الواضح أنهم أسرة واحدة؛ فملامحهم متشابهة إلى حد كبير..

ومن النظرة الأولى أدرك أن الشاب هو مريضه الأخير..
كان نحيلا، شاحبا، زائغ النظرات، يطل المرض من كل لمحة في وجهه وجسده..
"اجلس، وأخبرني مم تعاني".

جلس الشاب صامتا، وغمغم والده في هدوء:
– ليس قادرًا على الكلام بعد.
بدت له العبارة عجيبة، فتساءل:
– ماذا تعني بكلمة "بعد" هذه؟! هل يعاني من تخلف ذهني ما؟!

أجابته الأم في إشفاق:
– لم يكتمل نموه بعد.
تطلع مرة أخرى إلى الشاب، وغمغم:
– ما زلت عاجزا عن الفهم.

تبادل الأب مع الأم نظرة صامتة، ثم قال:
– الواقع أننا نعاني كلنا من حالة نادرة.
تراجع في مقعده، يسأله:
– أية حالة هذه؟!
أجاب الأب في بطء:
– لا ننمو على نحو طبيعي.

كان الأب والأم يبدوان طبيعيين للغاية، مما جعل الأمر يبدو غريبا، فتراجع الدكتور (أدهم) في مقعده أكثر، متسائلا:
– هل لي بمزيد من التوضيح؟!
تبادل الأب والأم نظرة صامتة أخرى، في حين بدا الشاب شاردا، وكأنما الأمر لا يعنيه، وقالت الأم هذه المرة:
– حالتنا تختلف عنكم.. إننا نولد على نحو أفضل، ولكننا لا نستطيع أن ننمو، في غياب من حولنا.

ابتسم، أو أنه حاول أن يبتسم، وهو يقول:
– لم أقرأ في حياتي كلها عن أمر يشبه هذا.
أجاب الأب في سرعة:
– لم يتم تشخيصه بعد.

خيل إليه أنه يواجه مجموعة من البلهاء، فارتأى عدم الخوض معهم في مناقشة طويلة، وأشار إلى الشاب، قائلا:
– هل يمكنك أن ترتقي منضدة الكشف؟!
أومأ الشاب برأسه إيجابا، على نحو يؤكد قدرته على الفهم والاستيعاب، وما أن استلقى الشاب على الفراش، حتى اتجه نحوه لفحصه، وهو يقول:
– لو أمكنك فهم ما أقول، أومئ برأسك فحسب.

أومأ الشاب برأسه، وبدت عيناه وكأنهما تفحصان وجهه في إمعان، فربت عليه، محاولا أن يبتسم، ثم بدأ يلف جهاز قياس ضغط الدم على ذراعه، وهو يمسك معصمه؛ لقياس نبضاته..
وانعقد حاجباه في شدة..

فنبضات الشاب كانت مرتفعة إلى حد كبير، يدخل في زمرة الحالات المرضية، إذ تجاوز، وفقا لقياس أصابع يد الدكتور (أدهم) الخبيرة، ما يزيد على ستمائة نبضة في الدقيقة الواحدة، مقارنة بمعدلات النبض الطبيعية، التي لا تزيد على مائة نبضة في الدقيقة الواحدة!!
أما قياس ضغط الدم في ذراعه، فقد كان أكثر مدعاة للدهشة..
كان منخفضًا إلى حد لا يصلح معه أن يبقى على قيد الحياة..

وبكل دهشته وتوتره، غمغم الدكتور (أدهم) :
– هذا الشاب يعاني بشدة.
غمغمت الأم، وهي تراقبهما في اهتمام وانتباه:
– كانت حالته أسوأ، قبل دخوله إليك.

وضع الدكتور (أدهم) مسماعي سماعته الطبية على أذنيه، ووضع بوقها على صدر الشاب؛ ليستمع إلى دقات قلبه..
ولن نبالغ لو قلنا إنه قد أصابه الفزع..
فتلك النبضات العجيبة لم يسمع مثلها من قبل قط..
لم تكن تسير على الإيقاع الطبيعي لنبضات القلب..
ليس عند الأصحاء أو المرضى..
بل وليس حتى عند البشر..

"الشاب يحتاج إلى فحص شامل" قالها في توتر، وهو ينتزع جهاز قياس ضغط الدم، من ذراع الشاب، ولكنه فوجئ بالشاب يقبض على معصمه، ويومئ برأسه في قوة..
وعلى الرغم من الضعف والوهن الباديين عليه، فقد كانت أصابعه الرفيعة قوية، حتى لقد بدت ككلابة من الحديد، تقبض على معصم الطبيب، وتمنعه من الإفلات..

ومع كل ما عاناه، شعر الدكتور (أدهم) بدوار خفيف، وهو يحاول انتزاع معصمه من قبضة الشاب، الذي تشبث بها في قوة، فقال الأب في صرامة:
– ليس مرة واحدة.
لم يكد يقولها، حتى أفلت الشاب معصم الطبيب على الفور..

ولسبب ما، تضاعف شعور الدكتور (أدهم) بالدوار، فتماسك في صعوبة، وهو يعود إلى مكتبه، وغمغم:
– يمكنك القدوم.
بدا الشاب أكثر حيوية، مما كان، وهو يغادر منضدة الكشف، ويعود للجلوس على المقعد المقابل لمكتب الطبيب..
وبابتسامة كبيرة، ربتت الأم على كتفه، مغمغمة:
– كل شيء سيصبح أفضل.

أومأ الشاب برأسه، وبدت على شفتيه ابتسامة شاحبة لأول مرة، فغمغم الدكتور (أدهم)، وشعوره بالضعف والدوار يتزايد:
– سأرسلك لعمل بعض الفحوص الطبية الضرورية، فلم أعهد مثل حالتك هذه من قبل.
كتب قائمة طويلة، بكم ضخم من الفحوص والتحاليل، فغمغم الأب وهو يتابعه:
– هل توصي بمعمل بعينه؟!

حاول الدكتور (أدهم) أن يقاوم ذلك الضعف، الذي يتزايد داخله، وهو يجيب:
– معمل الدكتور (سناء) في الشقة المجاورة.. أظنه ما زال يعمل، حتى هذه الساعة.
غمغم الأب، بابتسامة باهتة:
– إنها زوجتك.. أليس كذلك؟!

رفع الدكتور (أدهم) عينيه إليه، وتطلع إلى وجهه وابتسامته لحظة، قبل أن يجيب، في عصبية واضحة:
– نعم.. إنها زوجتي.. هل يصنع هذا فارقا؟!
هزت الأم رأسها، مغمغمة:
– ليس بالنسبة لنا.
في حين قال الأب في هدوء:
– كنت فقط أتساءل: لماذا يوصي بعض الأطباء بمعامل تمتلكها زوجاتهم؟! ألا يبدو هذا مجافيًا بعض الشيء.

أكمل الدكتور (أدهم) القائمة، وهو يقول في عصبية:
– ولماذا؟! إنه معمل أثق بنتائجه على الأقل.
قال الأب، ولهجته تشوبها بعض السخرية:
– وأرباحه تعود إلى الأسرة في كل الأحوال.

كظم الدكتور (أدهم) غيظه، وأشاح بوجهه عن ابتسامة الأب المقيتة، وراح يكمل تلك القائمة الطويلة من الفحوص والتحاليل، وإن اعترف في أعماقه بأن الرجل على حق، في جزء مما يقول..
إنها مسألة أرباح بالفعل.

ربما لهذا فإن نصف القائمة التي يكتبها الآن، تحوي فحوص وتحاليل لا قيمة أو أهمية لها..
ولا تتناسب حتى مع حالة المريض..
ولكنها حالة لم يعهدها من قبل..
وثياب هؤلاء توحي بأنهم أثرياء بما يكفي، للإنفاق على معمل تحاليل كامل..
فلم لا؟!

ولكن شعوره المتزايد بالضعف، جعله يرغب في إنهاء هذا الأمر بسرعة، فمد يده بالورقات الثلاث، التي تحوي قائمة الفحوص والتحاليل، وهو يقول، في شيء من الحدة:
– يمكنك أن تجري هذا، في أي معمل تشاء.

كان يتوقع أن يلتقط الأب أو الأم الورقات الثلاث، ولكنه فوجئ بالشاب يقبض على معصمه مرة أخرى في قوة، ويتطلع إليه بعينين تلتمعان على نحو عجيب، فحاول جذب معصمه من تلك الأصابع الفولاذية، وهو يهتف:
– (رضا).. أين أنت؟!

شعر، مع الجزء الأخير من سؤاله، وكأن حيويته كلها تنساب من جسده، ورأى بعينين مجهدتين، ابتسامة كبيرة على شفتي الأم، في حين قال الأب:
– لن يستجيب ممرضك.
صاح بصوت أعلى:
– لماذا لا تجيب يا (رضا)؟!

أجابته الأم بابتسامة كبيرة:
– لأنه لم يعد قادرا على هذا.
ثم مالت إلى الأمام، مكملة:
– ألم أخبرك أن ابننا كان أسوأ حالا، قبل دخوله إليك؟!

لم يستوعب ما يعنيه هذا، ولكن قلبه امتلأ بخوف شديد، وهو يتهالك في ضعف متزايد، وحاول أن ينطق شيئا، ولكن لسانه عجز عن هذا، في حين فوجئ بالشاب، الذي تورد وجهه، يقول في حيوية:
– كنت على حق يا أبي.. إنهم لا يستمعون.

تهالك الدكتور (أدهم) تماما، حتى إنه لم يعد يستطيع مقاومة ذلك الشاب، والأب يقول في ظفر:
– لقد أخبرناك أننا لسنا مثل الآخرين، وأننا لا نستطيع أن نحيا دون وجودهم، وأنت لم تستوعب حرفا واحدا مما قلنا.

مال عليه الشاب، الذي استعاد كل حيويته، وهو يكمل:
– وقلنا إننا لسنا مثلكم أيها البشر.. نحن كائنات طفيلية، لا يمكن أن ننمو أو نحيا، دون أن نمتص طاقة وحيوية الحياة من أجسادكم.. ولقد وقع اختيار والديّ عليك؛ لأنك بدورك بشري طفيلي، لا ترحم بني جنسك، وتمتص حيويتهم بلا رحمة، من أجل أن تحيا في رغد.. أراهنك أن نصف ما كتبته لا يفيد بشيء، سوى في رفع إيرادات معمل زوجتك.

واتسعت ابتسامة الأم أكثر، وهي تضيف:
– ممرضك الأحمق اندهش، عندما طلبنا منه أن نكون آخر كشف في عيادتك، وامتزجت دهشته بالرعب، عندما امتص ابننا الحبيب رحيق الحيوية والحياة من جسده.. تماما كما يفعل بك الآن، وكما سيفعل بزوجتك بعد قليل.

واعتدل الأب، وهو يقول لابنه، الذي استعاد كل حيوية وطاقة أي شاب في مثل عمره:
– كائن طفيلي، يمتص بشري طفيلي.. إنها العدالة، التي نمارسها منذ أكثر من عشرة آلاف عام هنا.
ولم يستمع الدكتور (أدهم) إلى الجزء الأخير من العبارة، فقد فقد كل حيوية جسده البشري..
إلى الأبد.
***
(تمت بحمد الله)
بقلم : د. نبيل فاروق
روايات مصريـة
نشر في 23 آذار 2019
QR Code
تابع
متابع
تابع
متابع
تابع
متابع
تابع
متابع
تابع
متابع
تابع
متابع