Facebook Pixel
208 مشاهدة
0
0
Whatsapp
Facebook Share

معلومات وتساؤلات في التربية المثالية للأطفال، ما هو الأهم بالنسبة لك، أن يكون طفلك سعيداً أم متفوقاً؟

من تجربتي في العمل كمعالجة نفسية، أعتقد أنه هناك سؤال هامّ جداً يجب على جميع الآباء و الأمهات أن يطرحوه على أنفسهم: ما هو الأهم بالنسبة لك، أن يكون طفلك سعيدا أم متفوقا؟
من أكثر ما يريده الأهل هو أن يكونوا فخورين بأبنائهم، وأن يرى المجتمع حولهم أيّ خلف صالح استطاعوا أن يحضروا للعالم . بالإضافة إلى ذلك ، الأهل هم بالغون يملكون في ماضيهم آلاماً وأحلاماً وخيبات أمل ورغبات تجعلهم مليئون بالأمنيات المتعلقة بإنجازات أبنائهم المستقبلية. هم على الأغلب لن يسمحوا لابنهم أن يخطئ مثلهم، وسوف يريدونه شخصاً ناجحاً ومتفوقاً كما رغبوا أن يكونوا بأنفسهم وحتى أكثر منهم. على هذا الأساس أصبحت والديتهم لطفلهم بالنسبة لهم كفرصة ثانية لتحقيق الحلم المفقود.
هذا الأمر يجعل الأهل أحياناً يبذلون جهداً مضاعفاً من أجل تطوير طفلهم ذهنياً . قد نرى أن طفلاً في عمر السنتين يعرف عدداً كبيراً من الكلمات الإنكليزية ويقوم بعمليات حساب أساسية. قد نرى أيضاً أطفالاً لهم برنامج يومي مكثف من الدورات، لتطوير قدرات ذهنية تعليمية لا علاقة لها بتطوير المواهب. قد نجد تشجيعاً مكثّفاً للطفل كي يحصل على أعلى العلامات، وخيبة أمل كبيرة من علامة أقل بقليل من المطلوب. الوالدان يبذلان الوقت ويضعون مبالغ كبيرة على دورات تعليمية فائدتها الذهنية والنفسية أقل بكثير من جلوسهم للعب ببساطة مع أطفالهم. ربما تدخل هنا أيضاً رغبتهم في تعويض أطفالهم عن قلة طاقتهم وعدم قدرتهم في بذل الجهد للجلوس واللعب معهم.
الأهل اليوم موجودون تحت تأثير مجتمعنا الحالي الذي يدعم ويدعو بشكل مكثف إلى التفوق، ويضع القدرات الذهنية كأهم خصال التقييم الإنساني. هذا للأسف ما جعل مجتمعنا أقل إنسانية وأقل تقبلاً للاختلاف، بحيث أنّ طفلاً ذا قدرات موسيقية أو رياضية أو أي موهبة أخرى لن يحصل على نفس التقدير الذي يحصل عليه طفل متفوق دراسياً. الموهبة والإبداع اختفيا أمام رغبة الأهل بأن يصبح طفلهم طبيبا أو عالما، وكأن البشرية تحتاج فقط الأطباء والعلماء.
الضغوطات النفسية التي يتعرض لها الطفل من أجل السعي للتفوق لها تأثير كبير على تطوره النفسي. في أحيان كثيرة يشعر هذا الطفل أنّ حبّه مشروط بمعدل علاماته، وتقبله في المجتمع يحصل فقط إذا أثبت تفوقه على غيره. يدخل هؤلاء الأطفال في حرب تنافسية على الطبقة الاجتماعية من جيل مبكر جدا، وقلة تعاطف البالغين معهم تجعلهم بنفسهم غير متقبلين وغير متعاطفين مع من حولهم. شعورهم بأن حبّ أهلهم مشروط يجعل حبهم لنفسهم مشروط، ولهذا تكثر لديهم مشاعر تذنيب الذات وتتطور لديهم مثالية في التطلبات من أنفسهم وممّن حولهم.
اكتشاف الأهل لشخصية طفلهم المتميزة والتعرف على مواهبه ونقاط ضعفه وقوته هو أمر ضروري جدا من أجل تطوره النفسي. قد يكون الطفل متفوقا فطريا بمجالات معينة، كالتفوق مثلا في الرياضيات والفيزياء الذي قد لا يحتاج جهدا يتعبهم ويشعرهم بالنقص. لكن ليست هذه حال جميع الأطفال- الأطفال يختلفون فيما بينهم بقدراتهم وشخصيتهم ومواهبهم، وعلينا أن نطور كل طفل وفقا لتميزه لنساعده بأن يشعر بقيمة ذاته، وبأهمية وجوده الإنساني الذي لا يتعلق بنوع عمله، بل بقدرته على تحمل المسؤولية ونضوجه كشخص طيب.
نحن في هذا العالم نحتاج الجميع: نحتاج الطبيب ونحتاج البنّاء ونحتاج عامل المصنع ونحتاج الرسام ونحتاج المعلّم ونحتاج سائق سيارة الأجرة. فلماذا إذاً بدل أن نعلم أطفالنا أنه سيكون لهم مكان وقيمة في كل مجالات العمل المتاحة، نعرضهم منذ الصغر للشعور بالنقص وبأنّ قيمتهم مرتبطة بتفوقهم الدراسي؟ هل نحن بالفعل نفكر بمصلحة أطفالنا ونريد لهم مستقبلا أفضل؟ أم أننا نفكر فقط في المجال المادي والإقتصادي ونجعله الأمر الوحيد الذي سوف يضمن سعادتهم مستقبلا (وبهذا نزرع بهم نفس الفكرة)؟ هل سعادتهم هي بالفعل السعادة التي نراها من منظورنا الخاص أم لهم الحق بالبحث عنها أينما يريدون؟ لماذا نبني من خلال تربيتنا لأطفالنا مجتمعاً طبقيّاً وغير متقبل للتعددية والاختلاف بجميع أنواعهم؟ لماذا نحمّلهم مسؤولية إصلاح عدم تقبلنا لماضينا ولذواتنا، ونجعل منهم غير متقبلين لذواتهم؟
طفل متفوق ليس بالضرورة طفلاً سعيداً ، وطفل سعيد ليس بالضرورة طفلاً متفوقاً ، والوالدان عليهما أن يختارا أيّ صفة هي الأهم بالنسبة لهم.

بسمة سعد
أخصائية نفسية
الصحة النفسية
نشر في 27 كانون الأول 2015
QR Code