Facebook Pixel
أولو الألباب في كتاب الله
2241 مشاهدة
2
1
Whatsapp
Facebook Share

ربما كان بعض المنسوبين إلى الدين رديئى النظر عليلى الفطرة، فما ذنب الدين إذ يحمل لهؤلاء أو يحمله هؤلاء، ومن هم أولو الألباب؟

كتاب : علل وأدوية - بقلم : الشيخ محمد الغزالي

الحلقة [ 5 ] أولو الألباب فى كتاب الله

أشعر بغضاضة وغضب عندما يفهم الدين على أنه ركون إلى غيبيات غامضة، أو انسياق وراء مشاعر مبهمة، وكأن الإيمان فكر قاعد والإلحاد فكر متحرك، أو أن الإنسان المؤمن يستكين للمجهول. أما الآخرون فيستكشفون الأسرار ويبحثون عن المعرفة.

ربما كان بعض المنسوبين إلى الدين رديئى النظر عليلى الفطرة، فما ذنب الدين إذ يحمل لهؤلاء أو يحمله هؤلاء؟

لقد رأيت القرآن الكريم يتحدث عن (أولى الألباب) يعنى أصحاب العقول فى ستة عشر موضعا، نستطيع عند تدبر كل موضع منها أن نعرف المستوى العالى لذوى الإيمان الصحيح، وكيف يتحرك العقل المؤمن فى كل اتجاه ليقرر الحق، ويقود إليه.

ونكتفى الآن بسرد هذه الآيات المنوهة بقيام الدين وأحكامه على الرشد والصواب لا على الجزاف والفوضى.

فى سورة البقرة ثلاث آيات مختلفة السياق والموضوع هى:

(ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون).
(وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب).
(يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولو الألباب).

وللحكمة مواضعها الحميدة سواء فى تبليغ الدعوة أو فى إنفاق المال، أو فى أى شأن آخر.

وفى سورة آل عمران آيتان: الأولى تتحدث عن عصمة الفكر من البحث، وفيما وراء المادة، لأن هذا النوع من البحوث يقوم على التخمين والتوهم.. والثانية تطلق العنان للفكر كى يبحث ويستنتج فى المادة وأسرارها وقوانينها، وقيام الله عليها، وإحكامه لوجودها.

قال الله تعالى فى الموضع الأول: (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب).

أما الحث على التأمل فى الكون فهو فى الموضع الثانى من السورة قال تعالى: (إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب * الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار).

ومعرفة الحق لا تكترث بالتقاليد السائدة، ولا تتقيد بالعرف الشائع، إنها بحث حر لا علاقة له بكثرة الأصوات أو قلتها. والمغالاة بالحق مطلوبة فى وجه المتنكرين له أو النافرين منه مهما كثروا، فهم كما قيل:

إن شئت أن يسود ظنك كله .. فأجله فى هذا السواد الأعظم!

وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: (قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث فاتقوا الله يا أولي الألباب لعلكم تفلحون).

ولمعرفة التاريخ العام أثر عميق فى صوغ العقل ونفعه بتجارب لا حصر لها، فإن حاضر الإنسانية امتداد لماضيها البعيد، ومهاد لمستقبلها المرتقب وعلى المؤمنين أن يلتمسوا العبرة مما مضى ليصونوا يومهم وغدهم، وهل للتاريخ ثمرة إلا هذا؟

قال تعالى فى سورة يوسف: (لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء).

وهذه الآية ختام لفصل متكامل من التاريخ البشرى الحافل، وهو ختام صريح فى أن القصص القرآنى واقع لا خيال، وإخبار صادق لا تأليف مفتعل كما يشيع بعض المبشرين التائهين.

وفى سورة الرعد حديث مفصل عن الخلال النبيلة التى يستجمعها أولو الألباب، وتضبط مسالكهم كلها، والذى يثير الانتباه هنا هو ارتباط الفضائل الإنسانية بالبصر العقلى! وبراءة المؤمنين من التخبط الذى يقع فيه العميان وكل من ضل الطريق! قال تعالى فى الموضع التاسع من ذكر أولى الألباب: (أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولو الألباب * الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق).

وفى سورة إبراهيم نجد وصفا للصراع بين الحق والباطل، والآثار القريبة والبعيدة لهذا الصراع، سواء فى دنيا الناس أو فى اللقاء الأخير مع رب العالمين. وقد ختمت السورة بهذه الآية: (هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولو الألباب).

وأريد أن أستطرد قليلا وأنا أنقل هذا البلاغ للناس، وفى أول سورة من القرآن تحدثت عن بناء الكعبة، وكيف جعلها إبراهيم حصنا للتوحيد، وبيتا لعبادة الله الواحد، وقبلة لكل من يقيما الصلاة.

رأيى أن هذا الختام يومى إلى وظيفة الأمة العربية، وإلى رسالتها الضخمة فى هداية الخلق كافة، إنه ـ فى هذه السورة ـ إيماء وحسب! ولكن عند الحديث عن القبلة الدائمة لجماهير المصلين فى كل القارات، ذكر دور العرب بإيضاح أكثر.

وتدبر معى قوله تعالى: (ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم واخشوني).

هنا تحديد للقبلة على اختلاف الزمان والمكان، وتهوين بشأن المكابرين والمعوقين. ثم ماذا؟ ثم امتنان من الله على العرب يقول فيه: (ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون).

أى قد جعلنا الكعبة المبنية فى أرضكم قبلة الجنس البشرى كله عندما يصلى لربه، وليس هذا أول تكريم لكم، بل هو تكرار التكريم الذى سبق بابتعاث النبى الخاتم منكم! وهذا معنى قوله: (كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون).

ومن حق الله بعدما جعل القبلة فى أرضكم، والرسالة بلغتكم ومن جنسكم، أن تعرفوا هذه المكانة، وأن تشكروا هذا الصنيع. ومن ثم قال: (فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون).

إننى بعد هذا البيان لا أجد أحقر ممن يفصل العروبة عن الإسلام ويظن لها مجدا دونه. وعلى ضوء ذلك التفسير نستصرخ أولى الألباب من العرب ليعيدوا النظر فى تدبر قوله سبحانه: (هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولو الألباب).

فى سورة (ص) نجد الموضعين العاشر والحادى عشر لأولى الألباب. وفى الموضع الأول يقول تعالى: (كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب).

القرآن غزير المعانى، مفعم بالحقائق بيد أن الطريق لاستبانة هذا كله إدمان النظر، وتعميق البصر وطرق الأبواب دون سآمة، فإن حسن الفهم عطاء أعلى قبل أن يكون كد الذهن وطول التلاوة.

وهو كتاب مبارك، دراسته زكاة للفؤاد، ونور على الطريق. وتطبيقه دعم للسلطة وترشيد للحكم وخير لا تفنى ينابيعه..

والمؤسف أن أمتنا تقرأ القرآن أحرفا وتسمعه أنغاما، فهل ترجع من ذلك بشىء يرفعها إلى مصاف أولى الألباب؟

أما الموضع الثانى فيتصل بالإنسان عندما يترنح تحت وطأة الألم، وتتتابع على أعصابه سياط البأساء والضراء، هل من ملجأ إلا الله؟ هل من موقف يقفه المؤمن إلا التسليم والصبر، والانتظار دون تبرم؟

لقد حكى القرآن بإجمال قصة أيوب الذى ألحت عليه الأوجاع، فانحصر داخل عبوديته يتألم ويؤمل، يتحمل ويرجو، حتى تأذن الله بالفرج، وجاءت العافية المنظورة: (ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة منا وذكرى لأولي الألباب * وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب).

فى أدبنا العربى القديم تحدث أولو الألباب عن الشدائد التى عرضت لهم، ويفخرون بأنها لم تلجئهم إلى الإسفاف أو الصغار، لا الغنى أطغاهم، ولا الفقر أذلهم:

فإن تكن الأيام فينا تبدلت .. ببؤسى ونعمى والحوادث تفعل
فما لينت منا قناة صليبة .. ولا ذللتنا للتى ليس تجمل
ولكن رحلناها نفوسا كريمة .. تحمل ما لا يستطاع، فتحمل
وقينا بحسن الصبر منا نفوسنا .. فصحت لنا الأعراض والناس هزل

وفى هذا المعنى نفسه يقول آخر، لم يذكر الرواة اسمه! لعله جندى مجهول فى باب الأخلاق:

وإنى لأستغنى فما أبطر الغنى .. وأعرض ميسورى على مبتغى قرضى
وأعسر أحيانا فتشتد عسرتى .. وأدرك ميسور الغنى ومعى عرضى
وما نالها حتى تجلت وأسفرت .. أخو ثقة منى بقرض، ولا فرض

يعنى أنه ظل متجلدا لا يكشف نفسه حتى انجلت الظلمة، فما مد يده طلبا لقرض أو طلبا لهبة. والأمم إنما تعلو أو تهبط وفق رصيدها الخلقى، لا المالى، كذلك قال كتابنا، وسجل أدبنا.

وفى سورة الزمر نجد المواضع : 9 ، 18 ، 21 لأولى الألباب.

فى الموضع الأول حديث عن قوام الليل، هناك رجال فى أعصابهم مدخر من نشاط لا يستنفده شبح النهار الطويل، فهم يبقون مع إدبار النهار وإقبال الليل قادرين على العمل، فماذا يعملون؟

يميتون الليل بالغفلة؟ أم يجعلونه أحمر بالعصيان؟ إنهم يضيئون جوانبه بالعبادة والتهجد مقتدين بإمام العابدين. قال تعالى: (أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب).

وتلحظ أن أول الآية ذكر الأيقاظ الخاشعين وطوى ذكر النيام الذين لا يرجون ولا يحذرون! كأنهم أتفه من أن يذكروا فى هذه المفاضلة، وهم بداهة لا يحسبون من أولى الألباب.

وفى الموضع الثانى من سورة الزمر نرى معالم للشخصية الإنسانية التى تنشد الأكمل والأجمل فى كل ما يعرض عليها.. إنها توازن بين المبادئ، والمذاهب وتؤثر الأحسن باستمرار.

من الناس من تراه صريع عقدة ثابتة فى دمه، ومنهم من تراه سائب القياد يجره تيار هنا وتيار هناك، أما أولو الألباب فى هذا الموضع فهواهم الغالب على الأشرف والأفضل. قال تعالى: (فبشر عباد * الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب).

ما يقول المرء فيمن لا يتجاوز بصرهم مواقع أقدامهم؟ ومن يرضون بالأدنى من كل شىء؟ إن الإيمان الحق مع الهمم العوالى، وفى كل كفاح على ظهر الأرض ما تكون البشرى إلا لهؤلاء.

أظن أبا الطيب المتنبى كان يستوحى الآية الكريمة نصا وروحا عندما قال بيته المشهور:

ولم أر فى عيوب الناس عيبا .. كنقص القادرين على التمام!

والموضع الأخير لكلمة (أولى الألباب) فى سورة الزمر يتناول مصدرا من مصادر الإيمان الحق، وكيف ينبنى هذا الإيمان على التفكير الواعى. قال تعالى: (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يجعله حطاما إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب).

لا ريب أن خروج الحبوب والثمار من هذا الحمأ المسنون وهى حافلة بشتى الأغذية، وأنواع الطعوم، وروائع الألوان، يدل على قدرة مبدعة ولطافة فوق التصور.

إن دورة الماء فى الكون، ودورة النبات فى الأرض وراءهما أسرار جديرة بدراسة أولى الألباب. تختفى الثمار فى بطون الآكلين حينا، ثم تعود إلى الأرض مرة أخرى للتحول من جديد إلى أغذية كاملة العناصر، وألوان تزهو تحت الضوء، وهكذا دواليك.

والإنسان ـ الذى من أجله هذا الصنيع ـ كيف يحيا؟

قرأت أنه كل أربع عشرة ساعة ينبض القلب الإنسانى نحو 130689 مرة، ويقطع دمه فى الشرايين 168 مليون ميل ويتنفس 2323 مرة ويأكل كل يوم نحو ثلاثة أرطال من الطعام تبدأ على ما نعرف وتنتهى إلى ما ندرى.

ثم ماذا؟ ثم يقف هذا الجهاز الإنسانى الدوار عندما يشاء الله لتدفن الألوف المؤلفة من تلافيف المخ تحت الثرى، هى وما كان يخضع لها من غدد وجوارح ومشاعر.

وعندما يتم الدفن تكون الأرحام قد دفعت بأطفال جدد ينشئون دورة إنسانية أخرى على ظهر الأرض. والمحيى المميت يرقب من عليائه هذا الإنسان الذى تبلغ الصفاقة به أحيانا أن يكفر خالقه: (خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين).

إن أولى الألباب هم الذين يعرفون الله، ويسبحون بحمده، أما الجهال وأنصاف العلماء ومرضى القلوب فهم الذين يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم.

وجاء ذكر (أولى الألباب) للمرة (15) فى سورة غافر، ويبدو من السياق أنها تتناول الأقدمين من بنى إسرائيل، ولا ريب أن أتباع موسى الأوائل كانوا أولى بالحق والنصرة والتكريم من فرعون وآله وجنده! ومن هنا أعطاهم الله الكثير. قال سبحانه: (ولقد آتينا موسى الهدى وأورثنا بني إسرائيل الكتاب * هدى وذكرى لأولي الألباب).

على أن صفة أولى الألباب يمكن أن تنسحب على الأتباع المتأخرين إذا كان رسوخهم فى العلم حاملا لهم على تصديق محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأتباع رسالته؟ وذاك ما قررته آية أخرى: (لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة).

أما آخر مكان فى المصحف الشريف لأولى الألباب فهو سورة النساء الصغرى قال تعالى للمرة (16): (فاتقوا الله يا أولي الألباب الذين آمنوا قد أنزل الله إليكم ذكرا * رسولا يتلو عليكم آيات الله مبينات ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور)

وهذه الكلمات تشير إلى أن حياة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ هى تفسير كتابه، وأن سيرته العملية وسنته القولية بيان تطبيقى للقرآن الكريم.. والحق أنه لا قرآن بلا سنة ولا سنة بلا قرآن، وأن فصل أحدهما عن الآخر زيغ.

إن ما أثبتناه هنا نموذج واحد من نماذج كثيرة لأسلوب القرآن فى بناء الأمم على الفكر الناضج والعقل السليم.. ونحن نجزم بأن الأمم المتخلفة عقليا لا تتصل بالإسلام إلا دعوى، وأنها ما تصدق فى هذا الانتماء المزعوم إلا يوم تكون من أولى الألباب.

----------( يُتَّبع )----------
#محمد_الغزالى #علل_وأدوية
كلمة حرة
نشر في 08 تموز 2018
QR Code
تابع
متابع
تابع
متابع
تابع
متابع
تابع
متابع
تابع
متابع
تابع
متابع
تابع
متابع
تابع
متابع
تابع
متابع
تابع
متابع